ما أن تجسدت نبوءة الوعد الصادق حقيقة واضحة المعالم على أرض الواقع وراحت قطعان المستوطنين الإسرائيليين تئن تحت ضربات المقاومة الوطنية اللبنانية الموجعة، حتى تحركت قرون الاستشعار الغربية باحثة عن طريق واهية لخلاصهم.
ولم تكد تمضي بضعة أيام فقط على القصف الإسرائيلي للبنان، حتى تحولت مدينة بيروت الشامخة بمقاوميها إلى قبلة المسؤولين الغربيين، الذين لم يروا في العدوان الغاشم والدم اللبناني البريء النازف سوى فرصة ذهبية لاستكمال تطبيق القرار 1559 الصادر عن الأمم المتحدة في بنده الخاص بنزع سلاح حزب الله، فكل المبادرات وأشباه المبادرات الصفراء، التي يحاولون تسويقها، تصب في اتجاه بسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني اللبناني.
بغض النظر عن الواقع السياسي والأزمة الخانقة التي تعيشها الدولة اللبنانية العتيدة، إلا أن أحداً لا يمكن أن يقف في مواجهة بسط سيادتها على كامل ترابها الوطني في الأحوال العادية، لكن من يستطيع القول إن لبنان ومعه العالم العربي بأسره يعيشان ظروفاً سياسية عادية حتى تطبق فيهما معايير سياسية عادية؟
ومن يستطيع إنكار الواقع الفاضح، الذي يفيد بأن الدولة العبرية بكيانها المصطنع هي مصيبة المصائب وعلة العلل، وان السلاح المقاوم محل الحديث ما هدف يوماً من الأيام إلا لدحر قوات الاحتلال والعدوان الصهيوني من أراضي العديد من الدول العربية، التي رغم أن بعضها عانى ولا يزال من سطوة تلك القوات المحتلة، إلا أنها تحمل مسؤولية الاعتداء على لبنان المفتت جراء الاحتلال نفسه أصلاً لقواه الوطنية المقاومة للاحتلال البغيض، سبب وجودها.
أشباه المبادرات السياسية تلك تتجاهل متعمدة واقع الحوار الوطني الدائر بين مختلف الأحزاب والقوى اللبنانية، والذي لم يحط رحاله بعد رغم مرور ما يكفي من الوقت عليه للتوصل إلى حالة من الوفاق الوطني تخرج لبنان من حالة الشلل السياسية والانقسام بين مؤسساته التشريعية والتنفيذية، التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
تلك المبادرات ما هي إلا محاولات بائسة لنقل بؤرة الصراع إلى داخل الساحة السياسية اللبنانية وجعل المشكلة تبدو وكأنها بين اللبنانيين أنفسهم، ولقد بدأت تلوح في الأفق بعض مخلفات تلك المبادرات وراح بعض اللبنانيين يبدون تجاوباً مع التوجهات متجاهلين لحقيقة الحقائق التي تفيد بأن ما لم يتم التمكن من الاتفاق عليه في ظروف وطنية صحية لا يمكن الاتفاق عليه في ظل حراب الترسانة العسكرية الإسرائيلية، التي تعيث قتلاً وتدميراً في الأرض اللبنانية.
الثقة كبيرة بأن القوى الوطنية اللبنانية لن تنجر وراء تلك المحاولات المغرضة، لكن التحذير واجب ولا ضير فيه، ذلك أن المبادرات الأوروبية وغيرها تعوم في بحر مشهد سياسي عربي من نوع خاص وفريد وتطفو على سطحه بقعة سوداء داكنة يتساوق جوهرها مع العدوان الصهيوني الغاشم.
ولو كان لدى الغرب حس بالغيرة على دم بني البشر النازف في العالم العربي، ولو كان قادته غيورين فعلاً على حقوق الإنسان الأساسية، المنتهكة كلياً في هذا الجزء المظلوم من العالم، لو كانوا كذلك فعلاً لكان الأجدر بهم أن يرسلوا مبعوثيهم وممثليهم إلى الكيان الصهيوني وليس إلى الحكومة اللبنانية، ولكانوا طالبوا قادة الكيان العنصري أولاً وقبل كل شيء بوقف عدوانهم الدائم على أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.
حيث بات مشهداً يومياً رؤية قوافل الشهداء توارى بالعشرات إلى مثواها الأخير وحيث تنتظر كارثة إنسانية حقيقية لم تشهدها حتى مجاهل القارة السوداء وحيث لم يسلم لا الحجر ولا الشجر بعد البشر طبعاً من بطش تلك الآلة العسكرية الإسرائيلية، التي تضرب الآن في لبنان، الذي يعد توأم الروح بالنسبة للقضية الوطنية الفلسطينية.
إذا كان من غير المستطاع الطلب من قادة الغرب عموماً وقف هذا النوع من المساعي غير الحميدة، فإن بإمكان الشارع العربي الوقوف على مواقف بعض مسؤوليه الرسميين الذين يبررون أعمال القتل اليومية التي تمارسها آلة البطش الصهيونية بحق الأبرياء من الشعبين اللبناني والفلسطيني، اللذين شاء قدرهما أن يعمدا مسيرتهما النضالية بالدم من جديد.