لعل واحداً من أعظم ما حققته ثورة 23 يوليو المصرية هو إعادة اكتشاف هوية مصر العربية، وبلورة توجهاتها وانتماءاتها التاريخية والجغرافية والمستقبلية في دوائرها الثلاثية، حيث ينبع دور مصر ومسؤولياتها، بل ومصالحها وأمنها في الارتباط، ليس فقط بموقعها الجغرافي بقلبها، بل أيضاً لدورها الريادي في تاريخها، وللارتباط الاستراتيجي بمصيرها.

لقد حدد جمال عبدالناصر، قائد هذه الثورة المصرية التي أصبحت قيادة للثورة العربية، ضد الاستعمار والهيمنة وضد الاستغلال والتخلف، وضد التجزئة والتبعية، هذه الدوائر الثلاث المترابطة الهوية لمصر في أول كتاب أصدره بعنوان «فلسفة الثورة» معيداً تأكيد ما هو واقعي وتاريخي ومصيري للشعب العربي في مصر، ومثل تحديدا لخارطة الطريق غير الاستعمارية ومشروعاً للتكامل الجغرافي والتاريخي والديني على مساحة أوسع وأعمق وأعظم بكثير من المشروع الأميركي المسمى بالشرق الأوسط الكبير.

كما مثل دليل عمل وبوصلة تحدد اتجاه التحرك المصري للسياسة الخارجية مع شعوب الوطن العربي، والاتحاد الافريقي، والأمة الإسلامية دفاعاً عن قضاياها العادلة تحقيقاً لمصالح مصر ولأمن مصر ولمستقبل مصر.

لكن فكر الثورة المصرية لم تنبع أهميته فقط من توجيهه للسياسة المصرية، بل تبعث قيمته حين أكد أن دوائر الإنتماء المصرية هي الدائرة العربية، والإسلامية، والإفريقية.

وإذا كنا نقول ان عبدالناصر بهذا لم يأت بجديد إذ أن هذا هو الواقع بحكم الموقع والدور والمسؤولية التاريخية وبحكم المفهوم الواعي للأمن القومي المصري، إلا أن بلورة هذا الواقع ورصده وإعلانه على شعوب هذه الدوائر العربية والإفريقية والإسلامية لم يكن مجرد رصد، بل إعادة اكتشاف للهوية المصرية.

على أن ذلك لم يكن ليكون فاعلاً ومؤثراً وخالداً في وجدان وفكر الشعب المصري، إلا لكونه في توجهه بهذا إلى الشعوب العربية والإسلامية والإفريقية التي كانت في معظمها ترزح تحت سيطرة الاحتلال الاستعماري، والاستغلال الإنساني، وضياع البوصلة والهوية بين انجلو فوتيه وفرانكو فوتيه كغطاء زائف لذاتها وهويتها الحقيقية ومعبراً سياسياً لاستغلال ثرواتها الاقتصادية ووسيلة تضامنية لإلحاق هذه الشعوب بدوائر التبعية الاستعمارية.

ولكن القيمة الأكبر لهذا الخطاب الفكري لقائد ثورة 23 يوليو المصرية أنه استمد قيمته الحقيقية من أن النخبة المثقفة العربية استوعبت الأهمية الاستراتيجية لهذا التوجه التحرري الوحدوي التنموي في إطاره الجغرافي والتاريخي والمستقبلي وبشرت به فاستقر في ضمير الشعب المصري والعربي فأشعل الروح القومية العربية وأصبح مصدر إلهام لحركات التحرر الوطني من الاحتلال الاستعماري في القارة الإفريقية، وبلدان الأمة الإسلامية.

ولما كانت الدائرة العربية أولى هذه الدوائر والأكثر أهمية في فكر الثورة المصرية، ولما كانت القضية الفلسطينية وقيام الدولة الصهيونية الغاصبة بعد الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948 بسبب التفكك العربي كانت هي أبرز محركات قيام الضباط المصريين الأحرار بثورتهم التحريرية الوحدوية، فلقد احتل العمل على تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني الذي أصبح أخطر قاعدة استعمارية ضد كل شعوب الأمة العربية أولى أولويات الثورة المصرية.

كما أن إدراك الثوار الأحرار أن قيام إسرائيل ما كان ليحدث إلا بسبب فساد الواقع العربي وتبعية معظم الحكام العرب للمشروعات والمؤامرات الإستعمارية استقر في وعيهم بأن تحرير فلسطين لن يتحقق إلا بإصلاح الواقع العربي في ظل حكومات وطنية وقومية تعبر عن ضمير وأماني شعوبها العربية في الحرية والتنمية والوحدة.

ولقد نجحت ثورة يوليو المصرية في تأكيد الهوية العربية لمصر في مواجهة دعوات الانعزالية الضيقة الأفق القصيرة النظر التي تريد حصار مصر داخل حدودها هروباً من حاضرها إلى عميق ماضيها، أو أسرها داخل المشاريع الصهيونية المشبوهة تارة باسم مشاريع السلام التي أعلن عمرو موسى عن وفاتها أو تحت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي أعلن جورج بوش عن قتلها في العراق المحتل، وفي فلسطين المناضلة، ولبنان الوحيد في مقاومة غطرسة القوة الإسرائيلية في ظل الخذلان العربي.

إن «مصر العربية» وشعبها يدركان أن الانتماء العربي والإسلامي والإفريقي حقيقة ينبغى ترجمتها على أرض الواقع.. وأن مقولة ان قوة مصر قوة للعرب حقيقة ينبغي على العرب أيضاً إدراكها إلى حد اليقين، وأن مقولة انه لا أمن لمصر إلا بأمن العرب حقيقة ينبغي إدراكها وان الدفاع ضد العدوان على السودان وسوريا ولبنان وفلسطين، هو في الواقع دفاع عن أمن مصر وحماية لحرية مصر ولتأمين مستقبل مصر .. العربية الإسلامية الإفريقية.

فعروبة مصر كما قال «عبدالناصر» ليست مسألة سياسية ولا تكتيكية ولا دعائية، وإنما هي قدر ووجود وحياة.

mamdoh77t@hotmail.com