ثمة مساع وجهود إعلامية ودبلوماسية وسياسية ونفسية مكثفة تبذل على أكثر من صعيد، لإظهار العملية العسكرية النوعية التي قام بها حزب الله من خلال ذراعه العسكرية المعروفة بالمقاومة الإسلامية، على أنها لصالح إيران ولحساب ملفها النووي توقيتاً وتكتيكاً! وبالتالي اعتبار الحرب الجهنمية المندلعة حالياً ضد لبنان على أنها حرب إسرائيلية إيرانية!

وعليه فإن ما يقوم به حزب الله إنما هو خوض حرب «بالوكالة» عن إيران، تدعمه في ذلك سوريا التي تتقاطع مصالحها مع هذه الحرب، وانه لا أصالة ولا مصالح لبنانية في هذه المواجهة المغامرة!

لكن المتتبع المطلع على بعض خفايا الحروب السرية التي كانت ولا تزال تحضر لقوى الممانعة والمقاومة للمشروع الأميركي الإسرائيلي الكبير في المنطقة، لا يمكنه إلا أن يضع علامة تعجب كبيرة على مثل هذا التحليل!

نعم قد يكون هناك تداخل كبير بين ما يجري في لبنان وفلسطين والعراق وحتى أفغانستان وبالطبع ما يحضر لسوريا، وبين ما يحضر من معركة كبرى مع إيران من جانب الامبراطوريين الجدد في الإدارة الأميركية، وهو ما لا ينكره منظرو المحافظين الجدد القابضين على السياسة الأميركية الشرق أوسطية على الأقل.

لا بل انهم ذهبوا إلى التصريح أكثر من مرة بأن ما يخوضونه من معارك في كل من العراق وأفغانستان إنما هو للسيطرة على الحالة الإيرانية. راجع تصريحات رامسفيلد المتكررة بهذا الشأن، لا بل انهم يذهبون إلى أبعد من ذلك عندما يخطئون أصحاب قرار غزو العراق المبكر ويقولون بأن المعركة الأولى التي كان يجب أن تفتح كان يجب خوضها ضد إيران أولاً ـ راجع تصريحات ليدن وباييس وباقي المنظرين من المحافظين الجدد ـ هذا ناهيك عن التصريحات الرسمية التي لطالما كررتها وزيرة الخارجية الأميركية وأركان دبلوماسيتها بوصف إيران «بالمصرف المركزي الإرهابي»!

ولكن رغم ذلك كله فإن أي مطلع على ألف باء مشكلات الشرق الأوسط، سرعان ما يستطيع التسجيل بأن المشكلة الكبرى التي يعاني منها التطلع الامبراطوري الأميركي الهيمني على العالم، انطلاقاً من السيطرة الضرورية على موارده الغنية المتركزة في بلاد العرب والمسلمين، إنما هي في عجزه وفشله في إيجاد الحل المناسب للقضية المركزية وأم المشاكل، ألا وهي القضية الفلسطينية.

وبلغة التبسيط السياسي ضمان أمن الدولة الإسرائيلية المزروعة في بيئة غير بيئتها والتي تحمل مهمة يصعب تحقيقها، ألا وهي ضمان السيطرة على موارد الطاقة بشكل دائم ومريح لصالح القوة الغربية الأعظم في كل مرحلة من مراحل تحول النظام العالمي.

إن حزب الله وبشكل أعم المقاومة اللبنانية لمشروع السيطرة الإسرائيلية الأميركية على منابع ومصادر الطاقة والموارد في المنطقة، ما هو في الواقع إلا إفراز طبيعي لوجود ممانعة حقيقية لقوى الحرية والتقدم والتنمية العربية المحيطة بفلسطين بعد ضياعها واحتلالها.

صحيح أن لإيران دوراً بارزاً في بلورة ودعم مثل هذه المقاومة الحديثة المتمثلة بحزب الله والمقاومة الإسلامية، لكن الصحيح أيضاً، وقد يكون العالم قد نسي هذا، هو أن إيران الثورة الإسلامية نفسها هي في الواقع والأساس لم تكن إلا واحداً من إفرازات الممانعة التي كانت تبديها دول وقوى المنطقة الحية، للتمدد الإسرائيلي المدعوم بالرعاية الامبراطورية الأميركية.

وهنا قد لا يعرف البعض بأن ما يتهم به حزب الله اليوم من «عمالة» أو «تبعية» لإيران، إنما يتهم به النظام السياسي الحاكم في إيران من قبل العديد من القوى الإيرانية القومية المتعصبة أو الانعزالية، وغالباً ما ينعت بأنه «عميل» وتابع للعرب والسوريين والفلسطينيين، وإنه إنما ينفذ أجندة عربية لا علاقة لها بالمصالح الإيرانية القومية العليا!!

نعود إلى موضوع حزب الله والعملية العسكرية النوعية لنقول انه ليس صحيحاً بالمطلق القول ان ما يقوم به حزب الله إنما هو أجندة إيرانية أو حرب بالوكالة!

إن كل مطلع منصف يعرف تماماً بأن حزب الله كان بحاجة إلى إثبات وجود وإظهار مقاومة وممانعة بالأصالة، لأن وجوده نفسه كان ولا يزال معرضاً للتصفية هو وكل القوى المحلية المتحالفة والمترابطة معه، بسبب حروب الفتن المتنقلة التي كان ولا يزال يراهن عليها الأميركي والإسرائيلي في ظل «هدنة» و«سلام» و«صلح» كاذب يقوم على قواعد واهية من التعايش مع دولة إسرائيل، التي تريد بل وتمارس الهيمنة والاذلال اليومي للقدرات اللبنانية المحلية والعربية فضلاً عن الفلسطينية.

نعم أرادوا أن يذبحوه «سلماً» من خلال فتنة حرب طائفية مقيتة ومشروع فيدرالية طوائف، وإغراق لبنان ببرك من الدماء والمجازر تحت عنوان خدّاع اسمه «الحرية والاستقلال والسيادة» للبنان المنتزع من محيطه العربي والإسلامي، تعميماً للسيناريو العراقي وهو ما لم يكن بالإمكان قبوله أو السماح بتمريره، فكان قرار تفعيل المواجهة مع العدو الخارجي والأصلي هو الحل.

هذا ما يعتقد به وأظن أنه الدافع الحقيقي وراء العملية العسكرية النوعية لحزب الله. نعم لقد كان حاجة لبنانية صرفة، وبالدرجة الأولى من أجل إعادة التوازن الذي فقد في داخل المعادلة اللبنانية.

وما لجأ إليه الحزب لم يكن سوى ما توفر من أساليب مشروعة ومبررة بكل الأعراف والشرائع الدولية. إنها عملية عسكرية صرفة من أجل استرجاع أرض لبنانية وإعادة أسرى لبنانيين. فأين المشكل؟!

المشكل هو في الجانب الإسرائيلي الذي لم يتطبع بعد على الهزائم، وعلى «الجانب الدولي» الذي لا يزال يساير الاحتلال في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان، وساهم ويساهم يومياً في قتل أية مبادرة للسلام حتى تلك التي أتت من دول وقوى عربية معتدلة وعاقلة وبراغماتية وصديقة كما يفترض.. أليس كذلك؟!

الآن وبعد كل الجرائم والمجازر البشعة التي يندى لها جبين الإنسانية ضد العزل والأبرياء في لبنان في مواجهة عملية عسكرية صرفة، ليس هناك باب أو مخرج أمام المحتل سوى العودة إلى المربع الأول: أي التفاوض والتبادل والإذعان بأنه من المستحيل من الآن فصاعداً حسم أي ملف في المنطقة من خلال القوة العسكرية الغاشمة مهما أفرطوا في استعمالها.

إنها معركة تقرير مصير لبنان أولاً، لكنها قد تتحول إلى معركة تقرير مصير سوريا وإيران أيضاً، بل وحتى فلسطين وكل العرب، وهذا من طبيعة ترابط الأمور في صيرورة منطقتنا وبلادنا، وليس من صنف ظاهرات التبعية والعمالة والحروب بالوكالة!

أمين منتدى الحوار العربي ـ الإيراني