أخيراً أعلنها عمرو موسى « عملية السلام ماتت »! والحقيقة أن ما أعلنه أمين الجامعة العربية في ظل حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على الشعب العربي في لبنان وفلسطين، يعرفه أي طفل عربي، ويصرخ به منذ سنوات أمثالنا ممن آمنوا منذ اليوم الأول بأن « سلام الشجعان » ليس إلا أكذوبة ستدفع الأمة ثمنها الفادح.
ومع ذلك سوف يظل إعلان عمرو موسى يكتسب أهمية لأنه يجسد نهاية المقاومة التي أبداها النظام العربي على مدى السنوات الماضية لمواجهة الحقيقة.
ولعل هذا ما أراده الأمين العام للجامعة حين أضاف إلى إعلانه وفاة عملية السلام، تأكيده أن هذه هي الحقيقة « إلا إذا أردنا أن نضحك على أنفسنا، أو سمحنا للآخرين بأن يضحكوا علينا ».
وهو الأمر الذي مارسه عن عمد النظام العربي طوال سنوات كان يضحك فيها على نفسه أحيانا، ويحاول ان يضحك علينا أحيانا، ويسمح لـ « الآخرين » بأن يضحكوا عليه في كل الأحيان !!
« عملية السلام » بالصورة التي تجري بها انتهت قبل أن تبدأ، وفي اللحظة التي وضعنا كل ما نملكه من أوراق في أيدي الولايات المتحدة الأميركية باعتبار أن هذا هو الطريق للسلام العادل الشامل، وبإيمان بأن الدولة الأعظم ستكون هي « الراعي الصالح » لهذا السلام ..
فإذا بالراعي الصالح يضع كل « الأوراق العربية » التي تسلمها في أيدي إسرائيل، مع تفويض كامل لأن تفعل ما تشاء لتطبيق سلام الأمر الواقع ووضع المشروع الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية والهيمنة على المنطقة العربية موضع التنفيذ، مستغلة هذه اللحظة «التاريخية » التي يتصادف ان يجتمع فيها انفراد أميركا بزعامة العالم، واختلال موازين القوي في المنطقة لمصلحة إسرائيل، وعجز عربي لم يسبق له مثيل.
والتفاصيل منذ « أوسلو » وحتى اليوم تكشف بكل وضوح هذه المسيرة الفاشلة التي بدأت وإسرائيل تستجدي التفاوض المباشر والاعتراف العربي بها، وتناور من أجل فرض الحل المنفرد الذي بدأت به مع مصر على الجميع، وانتهت والعرب يستجدون أن ينالوا «شرف» الجلوس لمائدة التفاوض مع إسرائيل التي ترفض بكل ازدراء وتعلن أنها لا تجد شريكا لها في عملية السلام التي قتلتها عمدا بتأييد أميركا، ثم تمضي في طريقها لفرض الإرادة الإسرائيلية على العرب وعلى العالم بكامله.
وطوال هذه السنوات والنظام العربي يمارس بلا هوادة ما يحذر عمرو موسى منه الآن : يضحك على نفسه حينا، ويسمح للآخرين بأن يضحكوا عليه حينا، ويحاول أن يضحك على الجماهير في الحالتين !!
والسبب أن النظام كان - ومازال - عاجزاً عن مواجهة الحقيقة، لأن الاعتراف بالحقيقة كان يعني الإقرار بالفشل والبحث عن طريق آخر غير الطريق الذي أدى إلى وضع كل الأوراق في يد العدو الصهيوني . ولم يكن ذلك ممكناً إلا باستعادة الإرادة السياسية الغائبة، ومعها استعادة الأوراق العربية التي تنازلنا عنها مجانا، مع أنها توفر عناصر قوة لو استخدمها نظام غير عاجز لفعل بها المعجزات وبني القوة اللازمة لاستعادة الحقوق وتوفير الأمن وردع الآخرين.
ومن هنا تجيء لحظة الحقيقة المفزعة الراهنة التي تستباح فيها فلسطين ولبنان بلا حدود، فلا يجد النظام العربي ما يواجه به الموقف إلا الحديث عن « المغامرات غير المحسوبة » التي أغضبت إسرائيل العاقلة العادلة المسالمة ففعلت ما فعلت !! ولا يقول لنا هذا المنطق ماذا فعلت سنوات من العقل والتعقل والتنازلات المجانية؟
لقد تبني العرب بكامل عددهم المبادرة السعودية التي تقدم بها الملك عبد الله في مؤتمر بيروت (وكان وليا للعهد حينذاك) والتي أعلنوا فيها استعدادهم للاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها مقابل العودة لحدود 67، فماذا كانت النتيجة ؟ احتقار إسرائيلي كامل للإعلان العربي، واجتياح شامل من الدبابات الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية.
والقضية الآن ليست الإعلان الرسمي عن وفاة « سلام الشجعان » عليه ألف رحمة وسلام، ولكن القضية أن هذا الإعلان يضع النظام العربي أمام سؤال المصير، فإما أن يعلن - مع الإقرار بموت عملية السلام - انه غير قادر على فعل شيء أمام الموقف فيقرر بهذا شهادة وفاته ،وإما أن يقرر استعادة الأوراق العربية التي تنازل عنها بلا مقابل، وتفعيل هذه الأوراق في صراع البقاء الذي لابد أن يخوضه إذا امتلك الإرادة اللازمة لذلك .
نعم .. الموقف صعب، وإسرائيل تخوض حرب الإبادة ضد الشعب العربي لأول مرة في ظل حماية دولية تخضع للابتزاز الأميركي الذي يقرر فيه الرئيس الأميركي أن ما تفعله إسرائيل من قتل الأطفال وتدمير المنازل والمدارس والجسور ومحطات المياه والكهرباء هو « دفاع مشروع عن النفس » !!
أما أسر جندي من جيش يحتل أرضا عربية ويقتل المدنيين الآمنين ويغتصب الأرض ويقيم المستعمرات فهو « الإرهاب » الذي لابد أن يتحد العالم إزاءه !!
الموقف صعب، ومع ذلك فالنظام العربي أمامه فرصة نادرة لتفادي المصير الذي تقوده إليه سياسة التسليم أمام الولايات المتحدة الأميركية التي تعلن بوضوح وحزم انحيازها غير المسبوق لإسرائيل .
أمام النظام العربي فرصة لترجمة الإعلان عن «موت عملية السلام» بموقف متماسك يرفض أي تعامل من المشاريع الوهمية التي أضاعت الطريق إلى السلام، ويعيد القضية الفلسطينية إلى الشرعية الدولية وحدها مهما كانت التكاليف، وفي هذا الإطار فلا معنى لإعلان نهاية عملية السلام مع بقاء الاتصالات مع إسرائيل أو عدم الالتزام بقرارات سابقة بعدم التطبيع، ثم الالتزام بموقف واحد حول المبادرة العربية ولا شيء سواها .
وأمام النظام العربي فرصة لإعادة الاصطفاف حول موقف موحد من العدوان الإسرائيلي النازي على لبنان يعلن التأييد غير المشروط للبنان،ويتجاوز الخلاف حول عملية أسر الجنديين الإسرائيليين والتي تجاوزتها الأحداث بالفعل بما كشفه حجم العدوان الإسرائيلي من نية مبيتة لتركيع لبنان وتدميره بالكامل.
إن موقفاً عربياً موحداً يضع المسؤولية على الولايات المتحدة الأميركية ويكشف تواطؤها في هذا العدوان، ويعلن ان المصالح الأميركية في المنطقة لن تكون آمنة في ظل هذا التواطؤ.
موقف كهذا لن يكون كفيلاً بإعادة بعض العقل للسياسة الأميركية الحمقاء فقط، لكنه سيقول للعالم إن لبنان ليس وحده، والمقاومة ليست خارجة عن الشرعية بل هي التعبير الحي لضمير الأمة، وان أي اختلاف حول توقيت عملية في فلسطين او لبنان لا يعني الخلاف حول حق المقاومة، ولا يعني الخضوع للابتزاز الأميركي ـ الإسرائيلي الذي يريد أن يصور المقاومة المشروعة على أنها إرهاب.
قد يكون ما نقوله حديثاً في المستحيل، فالصورة قاتمة والوضع العربي ينحدر إلى القاع، ومع ذلك فإن نقطة الضوء مازالت موجودة لو امتلك النظام العربي الإرادة، ولو قرأ الأحداث من وضع غير الوضع الذي تعود عليه.
فالعدوان الإسرائيلي بكل وحشيته ونازيته لن ينتصر لا في لبنان ولا في فلسطين، وأيضا فإن أميركا لن تنتصر في العراق، ولا يوجد على مدى التاريخ شعب امتلك القدرة على مواجهة الاحتلال إلا وانتصر في النهاية. وما يحدث على ارض لبنان وفلسطين يمكن أن ينقذ الأمة العربية كلها، ويمكن أن يستعيد للعراق وحدته الوطنية تحت مظلة عربية..
إذا اتخذ النظام العربي الموقف الصحيح مما يجري في لبنان وفلسطين، وسحب الأرض من تحت أرجل أميركا وإيران معا، ليعيد المعركة إلى حقيقتها الأساسية بوصفها معركة الوجود بين العرب وبين إسرائيل.
إنهم يتحدثون عن قمة عربية محتملة.. فهل تستطيع أن تتخذ الموقف الوحيد الذي ينقذ النظام العربي من مصيره المحتوم ؟
إذا كانت تستطيع فلنعقد القمة على الفور، وإذا كان العكس فلنغلق الباب ونكتفي بقراءة الفاتحة على النظام العربي بصورته الحالية، كما قرأناها منذ اللحظة الأولى على ما أسموه مسيرة السلام، ثم انتظرنا النظام العربي كل هذه السنوات ليعلن الحقيقة ويقرأ معنا الفاتحة على سلام الشجعان إياه!
نقيب الصحافيين المصريين
