بعد مضي أكثر من عشرة أيام على العدوان الآثم والوحشي الذي تشنه القوات الاسرائيلية على الشعب اللبناني وما ألحقه هذا العدوان من دمار وخراب وكوارث ومجازر بحق العشرات من الأبرياء.

يتأكد تماما أن قيام اسرائيل باستباحة سيادة دولة عضو في منظمة الأمم المتحدة وضرب منشآتها الحيوية والاقتصادية بأحدث الأسلحة التدميرية لم يكن سوى امتداد لحلقات العدوان الاسرائيلي المتواصل ضد الشعب الفلسطيني الذي يتعرض اليوم هو الآخر لكارثة إنسانية حقيقية .

بفعل الاستهداف المباشر لمقومات وجوده والقضية التي يناضل من أجلها كشعب سلبت منه حريته وأرضه وحقه في العيش الآمن في دولة مستقلة كحق كفلته له المواثيق والأعراف الدولية والشرائع السماوية.

لقد قررت اسرائيل، وضمن مخطط أعدته مسبقا، الإجهاز على لبنان بالتزامن مع ما تقترفه من أفعال واعتداءات سافرة على غزة والأراضي الفلسطينية الأخرى في إطار ما تسميه استراتيجية الحرب الشاملة على عدة جبهات ظنا منها أن هذه السياسة الهمجية ستضمن لها خلط الأوراق والإمساك بقواعد اللعبة وحدودها.

خاصة وأنها تأمل ألا تجابه تحركاتها وعربدتها بأي موقف دولي يردعها أو حتى يستهجن إضرامها للحرائق التي بدأت كرتها تتدحرج من فلسطين مرورا بلبنان ولا ندري أين ستصل بعد ذلك.

وفي المقابل أيضا فقد أدركت اسرائيل أن الوضع العربي في أسوأ أحواله وأن ذلك وفق تقديرها يمنحها فرصة إضافية لتنفيذ مخططها في تصفية كل القوى التي لا تزال تتصدى لمشروعها التوسعي وصولا إلى إخضاع كافة الأقطار العربية لمشيئتها ومن ثم السيطرة على مقدرات المنطقة والتحكم بمصائر شعوبها.

وبالوقوف على المعطيات الجديدة فإن استدعاء اسرائيل لخمسة آلاف من قوات الاحتياط لنشرها على الحدود اللبنانية تمهيدا لاجتياح بري لهذا البلد إنما يفهم منه تماما أن أبعاد المخطط الاسرائيلي هذه المرة تتجاوز في الأصل حدود كل المغامرات التي قامت بها سابقا.

وأن ما يتم التهيئة له يصل إلى أبعد من لبنان، وهو ما يمكن استشراف ملامحه في إعطاء رئيس الحكومة الاسرائىلية إيهود أولمرت للقيادة العسكرية كل الصلاحيات وحرية التصرف في التوسع بالعملية العسكرية على النحو الذي تراه مناسبا، ما يعني أن المنطقة مرشحة لحريق إقليمي واسع يعيد المشهد فيها إلى مربع حرب يونيو 1967م.

لقد أعلنت اسرائيل الحرب المفتوحة على جبهتين عربيتين، فلسطين ولبنان، وتعد لما هو أوسع من ذلك ليس من أجل استرداد جنودها الثلاثة الذين تم أسرهم من قبل المقاومة الفلسطينية واللبنانية، ولكن لحسابات أخرى لا نعتقد أنها التي تخفى على أي محلل حصيف للمجريات الماثلة على الأرض.

إذ أن استعادة الجنود الثلاثة لا تحتمل كل هذه المغامرة التي تضع المنطقة كلها على حافة الهاوية ولا يخفى على أحد أن العديد من وسائل الإعلام قد أماطت اللثام عن حقيقة النوايا الاسرائيلية ومن ذلك ما كشف عنه تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية الذي أكد في تقرير له أن العملية العسكرية التي تجري الآن في فلسطين ولبنان سبق وأن خططت لها اسرائيل منذ فترة طويلة ولا علاقة لها بمسألة أسر الجنود الثلاثة.

وبظهور مثل هذه المؤشرات لم نعد ندري ماذا ينتظر العرب ولماذا توقف الأمر بهم عند نقطة إعلان وزراء خارجيتهم في اجتماعهم الأخير عن فشل مسيرة السلام، وهل كل ما يحدث وما تنبئ به المؤشرات الحاصلة من تهديدات ومخاطر لا يستحق الإسراع في التئام جمعهم وعقد قمة طارئة لقياداتهم يتدارسون فيها هذه التطورات الحساسة وصولا إلى بلورة موقف عربي موحد يسمح لهم بمواجهة ما تعد له اسرائيل من انفجار، وهو إذا ما حدث فإن الأمور ستخرج عن السيطرة ولن يكون بوسع أحد الإمساك أو محاصرة حرائق الكارثة.

إن تفاقم الأوضاع واستفحالها يستدعي تدارك ما يمكن تداركه قبل أن تدفع اسرائىل بالمنطقة إلى منزلق يستحيل تحمل تبعاته، حيث وأن العمل بنظرية الاستعداد قد يجنب المنطقة كارثة محققة سيدفع الجميع ثمنها باهظـا وليس من الحكمة الانتظار إلى ما قد تسفر عنه التحركات الدولية أو الرهان على أن يصحو الضمير العالمي لأن ذلك لن يحدث قبل أن تصحو ضمائر العرب والمسلمين، وقبل أن يستوعبوا واجباتهم نحو أنفسهم وأجيالهم القادمة.