إن لبنان كان مستهدفاً من قبل الحركة الصهيونية وإسرائيل منذ فترة طويلة، وكانت البداية عام 1919م، فقد أرسل هرتزل زعيم الحركة الصهيونية إلى وزير المستعمرات البريطاني رسالة أثناء انعقاد مؤتمر الصلح في باريس يطلب فيها إدخال مياه نهر الليطاني في جنوب لبنان ضمن خريطة فلسطين (إسرائيل المستقبل)، عندما كانت تناقش مسألة الانتداب على العراق وسوريا وفلسطين، وتسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى.
ومنذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م، واحتلال جنوبه للقضاء على المقاومة الفلسطينية في لبنان، بدأ مشروع سحب مياه نهر الليطاني اللبناني إلى صحراء النقب في إسرائيل، وبعد أن حققت أهدافها اضطرت أمام المقاومة اللبنانية وضغط الرأي العام الدولي إلى الانسحاب من جنوب لبنان. وحصلت إسرائيل على دعم مستمر من قبل الولايات المتحدة الأميركية، من مساعدات مالية، وتكنولوجيا متقدمة، وموقف سياسي مؤيد.
بدأت المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان إثر القضاء على المقاومة الفلسطينية في لبنان ورحيلها عنه، لأن إسرائيل لم تنسحب من كامل الأراضي اللبنانية، وأصبحت المقاومة اللبنانية مشروعة لتحرير الأرض، وبمرور الوقت أثبتت وجودها السياسي والعسكري. ولبنان مرَّ بحرب أهلية مدمرة في الفترة ما بين 1975 ـ 1987م، ولعبت إسرائيل دوراً في تلك الحرب بدعم الانعزاليين في الجنوب، وبإثارة الخلاف بين القوى اللبنانية، وباللعب على التناقضات الطائفية في لبنان،
لكن الشعب اللبناني بوعي أبنائه بدأ يتعافى تدريجياً من الحرب الأهلية، وبدأ مسيرة الوفاق والاستقرار بعد أن دفع الثمن غالياً من دم أبنائه، ومن ثروته، وظلت إسرائيل تنظر إلى لبنان على أنه كيان ضعيف لا يشكل خطراً عليها من جهة، والسعي لفك ارتباطه بالدول العربية وبخاصة سوريا التي لديها قضية كبيرة مع إسرائيل هي احتلال الجولان منذ حرب عام 1967م.
ولما لم يحدث تقدم على مستوى القضية الفلسطينية ولم يتحقق الوعد الأميركي بالسلام وإقامة الدولة الفلسطينية التي كان مزمعاً إقامتها عام 2005م، واستمرار إسرائيل في احتلال مزارع شبعاً في جنوب لبنان، فإن وجود واستمرار المقاومة اللبنانية أصبح أمراً واقعاً ومشروعاً، وكذلك لإحداث نوع من التوازن على الرغم من انه لا يرقى إلى التوازن الاستراتيجي، ولكن في الحد الأدنى عسكرياً وسياسياً يعرقل مشاريع إسرائيل وخططها ويشكل مع المقاومة الفلسطينية بعداً يجعل جميع الأطراف العربية والإسرائيلية والدولية تنظر إلى قضية فلسطين ولبنان والأراضي العربية المحتلة بمنظور يستجيب ربما للحد الأدنى من طموحات هذه الأمة.
وكان لدى إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة الأميركية خطة تقوم على فك الارتباط بين سوريا ولبنان، وللأمانة نقول إن سوريا قد وقعت في أخطاء في لبنان خلال فترة تواجدها العسكري والسياسي فيه ساعدت الخطة الإسرائيلية الأميركية، أيضاً في الوقت الذي كانت إسرائيل تحارب المقاومة الفلسطينية في الداخل،
كانت عينها على لبنان وسوريا بعد اطمئنانها للجبهة المصرية، فقد حددت هدفها الآخر بالقضاء على حزب الله الذي يقود المقاومة في جنوب لبنان، أولاً بالوسائل السياسية التي قادتها الولايات المتحدة باعتبار هذا الحزب منظمة إرهابية وضرورة نزع سلاحها، ومن ثم عسكرياً عن طريق حملة مدمرة للبنان كي يضغط على حزب الله ليحقق المطالب الإسرائيلية.
أما الذرائع والحجج فهي كثيرة، ولم تكن إسرائيل بحاجة إلى خطف جندي إسرائيلي لتخوض حرباً شاملة في لبنان، فخطة الحملة العسكرية كانت جاهزة تنتظر المبرر ولو لم يخطف الجندي الإسرائيلي من قبل حزب الله لأوجدت إسرائيل مبرراً آخر لهجومها لتدمير لبنان ومن ثم حزب الله الذي قض مضاجعها، وبعد أن أدركت إسرائيل أن العالم العربي يعيش أسوأ مراحل تاريخه وصراعاته الداخلية وتخلفه واختلافاته،
وكذلك بعد أن اطمأنت إسرائيل للوضع الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية المناصرة لها، كان توقيتها بضرب لبنان في حرب شاملة مدمرة لبنيته التحتية ولموارده الأساسية، ولا مانع لديها في ظل هذه الظروف أن تتسع دائرة الحرب لأن الاستراتيجية الإسرائيلية على الدوام تقوم على الحرب لتبقى هي القوية والعرب ضعفاء، ولقضم المزيد من الأراضي العربية وعلى أقل تقدير للإبقاء على الأراضي التي احتلتها عام 1967 و1982 تحت سيطرتها.
أما الموقف العربي من الحرب على لبنان فهو محزن، ويدل على أن الوضع العربي في أسوأ مراحل تاريخه، إن لبنان يحترق بنيران إسرائيل ويدمر، وبعض دولنا العربية تلوم المقاومة اللبنانية وتقف ضمناً مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، ولدى هذه الحكومات العربية ومناصريها المبررات المبطنة والمعلنة، بعضها خائف من الاتجاه الذي يمثله حزب الله ومن يناصره، وبعضهم خائف على حكمه، وبعضهم لا يريد إغضاب أميركا، ولا نعتقد أن أولئك يجهلون ما يجري وأن موقفهم هو سوء تقدير وضعف في الفكر الاستراتيجي.
لكن اتضح بما لا يدعو للشك أن للعرب موقفين: الأول موقف بعض الحكومات المتردد والصامت والمؤيد للعدو ضمناً، وموقف الشعوب العربية المستنكرة لما يحدث من عدوان على لبنان والمؤيد للمقاومة، وقد لا نحتاج للحديث عن الموقف الدولي فهو مستلب من قبل الولايات المتحدة الأميركية وتقوده كما تشاء من خلال الأمم المتحدة ومؤسساتها وخارج نطاق الأمم المتحدة، في عصر القطب الواحد القوي المتحكم بالسياسة العالمية.
المبدأ أيها العرب الشرفاء الوقوف مع المقاومة ومع لبنان، وضد العدوان الإسرائيلي على لبنان.
كاتب كويتي