لا يمكن إدراج تصاعد الأحداث في المنطقة بأنه محض صدفة بل بدا وكأن الأطراف المشاركة فيه ككل كانت متوافقة عليه وكأنها استعدت له وعملت له منذ فترة، وإن كان العنوان هو الأسرى فإن كلا يغني على أسراه وليس على ليلاه فقط. حركة حماس لها أجندتها الخاصة من وراء عملية مهاجمة موقع عسكري وأسر جندي إسرائيلي فهي كانت بحاجة الى معركة خارجية للتغطية على أمور كثيرة لعل أهمها فشلها في الحكم وعدم قدرتها على تلبية استحقاقات الحكم من حيث صرف الرواتب وإدارة الوزارات وفك الحصار المالي والسياسي الذي فرض عليها.

فالعملية تحت عنوان الأسرى كانت مخرجاً ملائماً لنقل الأزمة الى مجال أوسع بحيث تصاغرت الأزمة والضغوط الداخلية التي كانت تتعرض لها. ومن جانبهم فإن الإسرائيليين كانوا عملياً مستمرين في سياسة القمع والاغتيالات والتدمير سواء في غزة او في الضفة على أساس نسف أية إمكانية للعودة الى طاولة المفاوضات بموجب خارطة الطريق،

لأن الحكومة الإسرائيلية الجديدة منذ الأسابيع الأولى لتشكيلها واجهت رفضاً دولياً لخطة الانسحاب الأحادي من الضفة وهو ما عبر عنه الأميركيون ثم الأوروبيون ثم المصريون فالأردنيون لرئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت الذي طولب بإعادة صياغة خطة «الانطواء» وفقاً لخارطة الطريق المكروهة إسرائيليا،

لكنه لم يقطع الأمل في إعادة فرض خطته بتصعيد عسكري رافق جولات الحوار الوطني الفلسطيني حتى أن المطالب الدولية بإقرار وثيقة الأسرى التي تعترف بالقرارات الدولية لم يحدث أي صدى دولي ولم يلق أي ترحيب في خضم نشوب الأزمة بعد أسر الجندي الإسرائيلي.

بالنسبة لحزب الله فإن الوضع لا يختلف كثيرا فهو بدأ يشعر بثقل الضغوط الداخلية والخارجية عليه لنزع سلاحه وبات في موقع لا يحسد عليه وكان بحاجة الى رئة جديدة يتنفس من خلالها خاصة وأن سوريا هي الأخرى في عين الإعصار الدولي ناهيك عن إيران. في صيف العام الماضي أشرت في مقالة في «البيان» الى ان الرئيس الإيراني احمدي نجاد بدأ يقيم جسراً يمتد من طهران وصولاً الى غزة مروراً بلبنان وسوريا والعراق.

وهذا الجسر كان يعتبر معبراً لإيران نحو النادي النووي، ولعل إيران التي دخلت في سباق مع الزمن في حوارها مع الغرب حول برنامجها النووي لاحظت حبيبات الساعة الرملية تنفذ بسرعة وهي هنا ارتأت ان إعادة خلط الأوراق في المنطقة كفيل بإيجاد وقت مستقطع لها في الأزمة النووية.

فكل طرف من الأطراف المشاركة في الأحداث الحالية يغني على أسراه وليلاه معاً، وله مآرب كثيرة من هذا التصعيد المفاجئ غير المسبوق لكن المؤكد أن لا مآرب للشعبين اللبناني والفلسطيني، لأن عنونة الأزمة بالأسرى فيه مبالغة كبيرة حيث أن النضال الفلسطيني كان له عنوان واحد وهو تحرير الأرض ولم يقدم في يوم من الأيام تحرير الأسرى على تحرير الأرض،

ولهذا فإنه من المستغرب أن توضع غزة في وضع لا رجعة فيه من أجل أسير واحد.. وليس كيلومترا واحدا من الأرض، صحيح أن قضية الأسرى ملحة لكنها ليست أهم من قضية التحرير الوطني، وهذا الوضع ينطبق على لبنان أيضا.

الخاسر الأكبر من كل هذا هما الحكومة اللبنانية - والرئاسة الفلسطينية لأنهما وضعتا تحت الأمر الواقع وبدتا عاجزتين عن المبادرة، وكان مثال غزة واضحاً جداً أمام عين حزب الله وهو يأسر جنديين إسرائيليين لأن إسرائيل عمدت الى تدمير البنية التحتية في غزة واستباحت المناطق الآهلة بالسكان ولم يستطع الرئيس الفلسطيني لا الإفراج عن الجندي ولا وقف القصف الإسرائيلي بل فوجئ الرئيس الفلسطيني باتصالات دولية يومية تستفسر منه عن حالة الجندي الأسير جلعاد شليط..

فهذا الرئيس الفرنسي يوقظه فجراً ليسأله «هل هو بصحة جيدة.. هل تناول إفطاره؟» ثم يتلقى اتصالات زعماء ومسؤولين آخرين كلها تستفسر عن حالة شليط.. وهل يحظى بالطعام.. وهل هو في مكان آمن من القصف الإسرائيلي وهل يحظى بالتهوية الكافية والعلاج الطبي حتى ظن ابو مازن أن شليط إذا ما أفرج عنه سيتحول الى نجم سينمائي دولي ويكتب سيرته الذاتية وأيام أسره في مجلدات.

حيث ان التركيز كان عليه وليس على الدمار والقتل الذي يلحق بقطاع غزة وسقوط أكثر من مائة شهيد ومئات الجرحى وتدمير البنية التحتية. بل قال ابو مازن في جلسة خاصة إن كل من اتصل به كان يركز حديثه على وضع شليط من كندا حتى اليابان. صحيح أن إسرائيل ردت على عمليات عسكرية بحتة بقصف المدنيين إلا أن هذا سلوك إسرائيلي قديم كان متوقعاً وبالتالي فإن عدم أخذه بالحسبان سواء من قبل حركة حماس أو من حزب الله يؤكد أن الحزب والحركة كانت لهما أهداف أخرى من وراء ذلك.

النتيجة الأخرى المستخلصة من هذه الأزمة هي أن النظام العربي أعلن إفلاسه السياسي وضعفه الشديد أمام التحديات رغم ما قدمه للغرب من مزايا وتنازلات لأنه كمن يتراجع لصالح النظام الإيراني الذي ما زال قادراً على إدارة أزمة برنامجه النووي بكفاءة مع الغرب مستخدماً وسائل ليست إيرانية.. فالنظام العربي بعجزه البائن عن احتواء الأزمة ولجمها كمن يفتح المجال للتيارات والأحزاب التي تعارضه لكي تستحوذ على المشهد وتسخره لصالحها وتحصد التأييد الشعبي المتحفز لأي بارقة أمل مهما كانت ضئيلة ومهما كانت مغلفة بمآرب لا يراها عامة الناس.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» - فلسطين