بات من المفروض على الهيئة الدولية أن تؤكد استعدادها وقدرتها أولاً على الدفاع عن نفسها وتأمين مقارها وحياة بعثاتها العاملة في لبنان حتى يمكنها أن تقدم نفسها كجهة معنية بوضع حد لحرب الإبادة الاسرائيلية ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني.

وذلك ما تؤكده وقائع وحقائق القصف الإسرائيلي الذي تعرضت له مقار قوات المراقبة الدولية في الجنوب اللبناني وأنها التي أصبحت على شفا التعرض لنفس الكارثة الإنسانية الواقعة على الشعب اللبناني جراء النقص الحاد في إمدادات الغذاء والدواء بعد أن تقطعت السبل إليها بفعل تدمير الجسور والطرق وقصف وسائط النقل.

وعلى الهيئة الدولية حقاً أن تدافع عن وجودها الكريم وشرعيتها الأممية ليس فقط في وجه الاعتداءات العسكرية الاسرائيلية وإنما أيضاً تجاه التمرد السياسي للحكومات الصهيونية على كل قراراتها وبقائها الدائم بكل صلف وتحدٍّ خارج أي توافق عالمي وهي في حلٍّ من أمر الالتزام والخضوع لأيٍّ من المواثيق والمعاهدات الإنسانية.

ومطلوب من الأمم المتحدة أن تبدي نفس الحماس والجدية أو قدراً منه مع مسألة تطبيق قراراتها في الشق الاسرائيلي كما تفعل مع الجانب اللبناني والفلسطيني والعربي عامة.

ولعل من أبرز وأهم أوجه تحمُّل المسؤولية الدولية الإنسانية تجاه ما يتعرض له لبنان وفلسطين أن تتحلى المنظمة المعنية به بشيء من الجرأة والمصداقية اللازمة لتمكينها من الإقرار بأن المآسي التي تنزل بهذين البلدين العربيين إنما هي نتاج التساهل في إلزام اسرائيل بتطبيق قرارات الشرعية الدولية مضافاً إليه التغاضي عن انتهاكاتها لكل المواثيق والمبادئ الإنسانية.

ويتكرر نفس النهج في التعامل بالمعايير المزدوجة تجاه حرب الإبادة الاسرائيلية وهو ذات النهج الذي ثبت واقعياً أنه الذي يثير كوامن الشعور بالغبن ودوافع المقاومة التي تتعرض لموجة عالمية كاسحة تعمل على إخراجها من نطاق الحق المشروع لتلقي بها في مهاوي الإرهاب.

ولكم نبهت قيادتنا السياسية بزعامة الأخ الرئيس علي عبدالله صالح وحذرت من مغبة إسقاط الهيبة الدولية وقراراتها الشرعية وطغيان التعامل بالمعايير المزدوجة وكشفت أمام المجتمع ذلك الخيط المتين الذي يربط بين استمرار الصراع والظلم في المنطقة واستنهاض نوازع ودوافع الثورة عليه والذي قد يغلب عليه التطرف والعنف.

ولا شيء بوسعه أن يدلل على توافر الجدية الحريصة على استقرار المنطقة العاملة من أجل السلام كي يسوده كالتقاء كافة الاهتمامات والجهود الاقليمية والعالمية في اتجاه السعي الحقيقي لاقتلاع كل بواعث الصراع من جذورها ببعديها المحلي والدولي.

وبدون التحرك في اتجاه تحقيق هذا الهدف وتكريس مفرداته الواقعية يظل ما يتم التوصل إليه ويسمى بالحل مجرد مسكنات لا تقدم وتؤخر خروج المنطقة من دوامات الأزمات والمآسي المستدامة بينما هي الأحوج إلى التنمية المستدامة.

ولا بد من وقفة مسؤولة أيضاً أمام ظاهرة إرهاب الدولة التي تمثلها اسرائيل وتبدو في ممارستها كنموذج أول لا مثيل له ربما عبر التاريخ.

وفي هذه المرة ومع الأحداث الشاخصة في الحرب المفتوحة تجاه لبنان فإن الحكومة الاسرائيلية قد وضعت نفسها في موقع المسئولية المزدوجة التي ُتحمِّلها تبعات التسبب في النزيف النفسي للاسرائيليين مثلما هي المسئولة عن نزيف الدم اللبناني والفلسطيني، وعلى المجتمع الدولي أن يدفع دائما ثمن ما تخربه وتدمره اسرائيل، وقد اندرج تكفله بتمويل إعادة إعمار لبنان بالفعل ضمن متطلبات بل شروط وقف اسرائيل لحربها الهمجية على لبنان.. وعجباً لهذا المجتمع الدولي.