تعتبر المشكلة الديمغرافية أخطر مشكلة تواجهها روسيا في الوقت الراهن. فقد انخفض عدد سكانها من أعلى مؤشر وصل إليه في عام 1992م وهو 7,148 مليون شخص إلى 8,142مليوناً في عام 2005 م، وأصبح يشكل 2,2% فقط من تعداد السكان العالمي. وهنا يجدر التنويه إلى أن مساحة روسيا 1,17 مليون كم مربع، أي ما يقارب 12 % من مساحة اليابسة للكرة الأرضية.

أما الكثافة السكانية أو التناسب بين عدد السكان والمساحة فقد تقلص وأصبح يبلغ 4,8 أشخاص فقط على الكيلومتر المربع، وهو معدل منخفض جداً مقارنة بمؤشرات الدول المجاورة كالصين مثلاً. ويدل هذا ليس على وجود ظاهرة انخفاض عدد السكان فقط، بل وعلى قيام مشكلة الحفاظ على سلامة الأراضي الروسية، حيث يتنبأ البعض بانخفاض عدد سكان روسيا ليصل إلى 100 مليون شخص فقط عام 2030 م.

فما هي أسباب الأزمة الديمغرافية التي تعيشها روسيا؟ السبب الأول هو زيادة معدل الوفيات مما ينعكس سلباً على عدد سكان روسيا ويبلغ معدل تقلص عدد السكان من جراء الوفيات حوالي 700 ألف سنوياً. وقد احتلت روسيا في الفترة 2000-2005م المرتبة الخامسة والثلاثين بين دول العالم من حيث متوسط معدل الوفيات، وتأتي روسيا في هذه القائمة بعد توغو بمعدل يبلغ 6,14 وفاة على كل 1000 شخص.

وتليها بينين وموريتانيا (3,14 و2,14 على التوالي). في حين يبلغ هذا المعدل في اليمن 2,9 وفاة وفي بوتان - 8.6 وفي الهند - 8.5 وفي الولايات المتحدة - 8.3. وهكذا نجد دولة ذات قدرات فنية وعلمية وإنسانية وصناعية هائلة مثل روسيا تنضم إلى قائمة تشمل الدول الأكثر تخلفاً الأمر الذي يمكن اعتباره كارثة حقيقية.

تتميز روسيا بتشوه بنية أسباب الوفيات مما يعني ارتفاع مستوى الوفيات بين الأشخاص القادرين على العمل وكذلك بتوالي أسباب الوفيات. فالسبب الرئيسي للوفيات في روسيا وأغلب الدول الأخرى هو أمراض القلب والشرايين وتليها على المستوى العالمي أمراض السرطان. لكن بالنسبة لروسيا تحتل أمراض السرطان المرتبة الثالثة فقط إذ تسبقها أسباب الوفاة غير الطبيعية كالإدمان على الكحول والتسمم والإصابات من جراء الحوادث الطارئة. من الميزات الأخرى لروسيا الفارق بين مدة حياة النساء والرجال.

إذ يبلغ متوسط مدة الحياة في البلد 8,64 عاماً (5,83 عاماً في أندورا و1,32 في زمبابوي)، ويعادل الفارق بين مدة حياة الجنسين 5,13 عاماً لصالح النساء. ومما يزيد من حدة الأزمة النسبة المنخفضة للمواليد. فمتوسط المعدل العام للولادات في الفترة 2000-2005 يبلغ 6,8مواليد على كل 1000 شخص. وهكذا نجد روسيا تتخلف في هذا المجال ليس عن الدول النامية فقط بل وعن الدول المتطورة الأوروبية والأميركية أيضاً، إذ يبلغ متوسط هذا المعدل السنوي في كندا 3,10 وفي فنلندا - 10.8 وفي فرنسا - 12.8 وفي النيجر - 55.2 وفي اليمن - 45 مولوداً على كل 1000 شخص.

أما إذا انطلقنا من المعدل الخاص المتعلق بعدد الولادات لدى المرأة الواحدة، فيجب علينا الاعتراف بأن روسيا تسبق في هذا المجال بعض الدول مثل بلغاريا ولاتفيا - 1.14 مولود فقط على كل امرأة (فنلندا - 1.73 واليابان - 1.32 وعمان - 4.96 واليمن 10.7 ).

فسياسة الهجرة التي تمارسها روسيا لا تطابق دائماً الوضع الديمغرافي للبلد، كما لا تأخذ في الاعتبار مشاكل التنمية الاقتصادية. إذ يعتبر المستوى العالي لانتقال العمال شرطاً ضرورياً لضمان نجاح تطوير اقتصاد البلد. لقد اتصف الاتحاد السوفييتي بمستوى عالٍ نسبياً لانتقال السكان (2-5,2 % سنوياً).

ثم تراجع هذا المؤشر في روسيا حتى بلغ 5,0%، وأصبح مؤشر فترة ما قبل ثورة أكتوبر عندما كان الاقتصاد الروسي يعتمد على الزراعة. ومن الظروف المعيقة لعملية انتقال العمال عدم توفر الحرية في الانتقال بشكل عام وعدم تطور سوق الإسكان. وعلى الرغم من اعتراف جميع الأوساط المعنية بمسائل الهجرة بوجود ضرورة لاستقبال المهاجرين الأجانب، إلا أنه لا يوجد أي تصور معين عن حجم تدفق المهاجرين اللازم والتأثيرات المحتملة للهجرة. لذا أصبحت سياسة الهجرة تحمل طابع المحافظة وذات صفة محدودة.

في 13 مايو من العام الجاري أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطابه السنوي للأمة أولوية مسألة اجتذاب الروس المقيمين في الخارج وتشجيع تدفق المهاجرين المؤهلين الملتزمين بالقانون إلى روسيا. كما أشار إلى أن الاتكال على الهجرة البحتة دون اتخاذ الإجراءات الإدارية والاجتماعية والمالية المتعلقة بتشجيع الولادات لن يوفر لروسيا إمكانية حل المشاكل الديمغرافية.

هذا ولن يكون من الكافي خلق الظروف الاقتصادية المواتية لزيادة المواليد - هذا ما تثبته تجربة بعض الدول الأوروبية الصناعية. بل يجب على روسيا من أجل الحفاظ على أراضيها الشاسعة زرع إيديولوجية حديثة للقيم الأبدية مثل إيديولوجيات النخبة المعاصرة التي أثرت بشكل ملحوظ على سير التاريخ.

ويرى بعض العلماء أنه لا يمكن استحداث تغيير جذري في نمط تعامل الإنسان وجعل روسيا جذابة بالنسبة لملايين الناس من سكانها الأصليين ومواطنيها الجدد إلا عن طريق قيام ثورة ثقافية واسعة النطاق تهدف إلى أنسنة جميع مجالات النشاط الحيوي في البلد. وبهذا الصدد قام مدير مركز الأبحاث الاستراتيجية لدائرة بريفولجيه الفيدرالية غارديروفسكي بتقديم مشروع الانتقال من «جيواستراتيجية تجميع الأراضي إلى تجميع الشعوب».

ويرى غاردريفسكي أن مسألة احتفاظ روسيا ليس على صفتها دولة اسمية فحسب بل وعلى صفتها دولة محتفظة بإرثها الثقافي يتوقف على اختيار الأيديولوجيا الصحيحة وعلى تركيبة الشعوب وتعددها. وأكد المؤرخ الروسي كلوتشيفسكي أن تاريخ الشعب الروسي بأكمله هو تاريخ الاستعمار نفسه. فنتيجة لممارسة الجيواستراتيجية أصبحت روسيا اليوم دولة كبيرة تفوق أية دولة في العالم من حيث المساحة والثروات الطبيعية.

وكانت روسيا، تاريخياً، تفوق أغلب دول العالم من حيث تعداد السكان أيضاً آتية بعد الصين والهند. كما أن روسيا هي الدولة الوحيدة خارج أوروبا الغربية التي لم تخضع للاستعمار ولو لفترة زمنية قصيرة الأمر الذي لا يمكن - للأسف - قوله عن الحضارات الأخرى كالعربية أو الهندية أو الصينية.

كانت روسيا دائماً دولة مغلقة بالنسبة للأجانب وكان أي تبادل بالمهاجرين لا يتم إلا بإذن من القيصر أو بطرق غير شرعية. وأشهر مثال على هذا الصعيد للفترة من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين دعوة الألمان لإسكان الأراضي الجديدة والإذن بإسكان شعوب البلقان الأورثودوكس (يونانيين، صرب، بلغار) وهجرة الصينيين والكوريين إلى الشرق الأدنى لبناء خط النقل عبر سيبيريا.

ولكن في أغلب الأحيان كانت عملية منح الجنسية الروسية للأجانب لا تتم إلا بعد ضم أراضيهم إلى الإمبراطورية الروسية. وهكذا أصبح الأرمن والكازاخيون والأدجاريون والفنلنديون وغيرهم مواطنين روس وانتشروا بعد ذلك في كافة أنحاء وطنهم الجديد.

خلال فترة حكم القيصر إيفان غروزني كانت أهم وسيلة للاستعمار تتمثل في إرسال الفلاحين والكازاك الروس إلى المناطق الحدودية. ثم تغيرت طبيعة هذا الاستعمار منذ القرن التاسع عشر بعدما خرجت الدولة الروسية عن النطاق التقليدي لتوطن الشعب الروسي. عندها لم يتمكن الفلاحون الروس الذين تم إسكانهم في ما وراء القوقاز وآسيا الوسطى وبعض المناطق الأخرى من متابعة الحياة على النمط الزراعي الذي اعتادوا عليه نظراً لاختلاف الظروف المناخية عن ظروف سكنهم الأصلي لذا أسكنت هذه المناطق بالجنود وموظفي الدولة والمدنيين والعمال وليس بالفلاحين.

وفي المرحلة السوفييتية كان العمال والكوادر العلمية والهندسية والإدارية هم الوسيلة الأساسية للاستعمار وكانت ستينات القرن الماضي بداية لتغير محاور تدفق العمال الأمر الذي ما زال مستمراً في الوقت الحاضر. هذا وكانت عملية عودة الروس إلى أراضي سكنهم الأصلي تتم على الرغم من الاستمرار في تحقيق بعض البرامج والمشاريع الهادفة إلى الاستعمار واستصلاح الأراضي.

وأصبحت التسعينات نهاية لتاريخ الاستعمار الروسي وتميزت مرحلة انهيار الاستعمار بانتشار شاسع لظاهرة المهاجرين الاضطراريين، وانعدام الرقابة على الهجرة من الصين وكوريا وفيتنام، وانخفاض عدد السكان في المناطق الشمالية، واتجاه المحاور الأساسية للهجرة نحو الدائرة الفيدرالية المركزية، والهجرة دون العودة ذات الطابع العرقي والعملي والتعليمي. وتوضع روسيا حالياً بين «شفط الكوادر»من قبل الغرب والضغط الديمغرافي من قبل الجنوب.

وشهد التاريخ الروسي انتصارات وكوارث جيواستراتيجية وجيوثقافية كبيرة حيث تنازلت روسيا عن بلدان بأكملها وصولاً إلى تقديم بعض البلدان كهدية. على الرغم من ذلك ما زال أمام روسيا فرصة للبقاء ضمن التاريخ العالمي. فصحيح أن المشاكل الديمغرافية والنزعات السلبية التي تواجهها روسيا حادة للغاية إلا أن روسيا سبق أن عاشت كوارث واسعة النطاق وسبق أن فقدت بعض أراضيها برضاها أو دونه.

وفي النهاية إذا أجرينا مقارنة بين نتائج الإحصاء الأول لسكان عموم روسيا الذي تم في عام 1897 م وبين نتائج الإحصاءات المعاصرة نجد أن عدد سكان روسيا ارتفع منذ ذلك الحين بما يزيد على الضعف (من 47,67 مليون شخص إلى 8,142 مليون). فهل هناك فعلاً دواعٍ للقلق على هذا الصعيد؟

د. إيرينا أيدروس

جامعة موسكو