أقل ما يمكن قوله عن الدورة الثامنة عشرة لكأس العالم والتي انتهت فعالياتها في التاسع من يوليو الجاري في برلين أنها كأس التسويق التجاري والرعاية والإعلانات، والتحكيم السيئ للغاية وبتصرف عنصري وسلوك غش في آخر مباراة في المونديال. كأس العالم لكرة القدم والتي تنظم كل أربع سنوات مناسبة لتعارف الشعوب وتضامنها وتلاحمها حول مبدأ واحد هو اللعب الجميل والنظيف والمنافسة الشريفة.
فالعالم بأسره شاهد فريق كوستاريكا وترينيداد وتوباغو وفريق تونس والسعودية والإكوادور وغيرهم جنبا إلى جنب مع دول عريقة وكبيرة سواء في مجال الكرة أو السياسة أو الاقتصاد. العالم كان ينتظر من المونديال اللعب النظيف والمنافسة الشريفة، وليس الشتائم والسباب والاستفزاز والاتهامات المجانية التي تمس الأصل والدين والعرق والشرف والأم والأخت والأهل.
في مارس من العام الحالي اعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» لائحة لمكافحة العنصرية في الملاعب تقضي بسحب ثلاث نقاط من الفريق الفائز إذا تصرف مسؤولون في اتحاد كرة القدم التابع له الفريق أو لاعبو أو مشجعو الفريق بأي شكل عنصري أو ينطوي على ازدراء لكرامة الإنسان والمساس بأصله وعرضه وشرفه. من جهة أخرى وعلى خلفية مشكلة زيدان - ماتيراتزي قال النائب الألماني في البرلمان الأوروبي برنارد كوهين إنه سيقدم اقتراحا للبرلمان الأوروبي لمناقشة سلوك المدافع الإيطالي ماتيراتزي باعتباره جريمة عنصرية يعاقب عليها القانون الأوروبي بشدة.
كما يرى الكثير من الملاحظين أن الشتائم التي وجهها ماتيراتزي لقائد منتخب فرنسا زين الدين زيدان تعتبر عنصرية ويجب محاكمته عليها. والغريب في الأمر وحتى الساعة مازالت الأوساط الرياضية وأوساط الفيفا توّجه اللوم والنقد والتوبيخ لزيدان دون الإشارة إلى السلوك اللارياضي واللاأخلاقي والعنصري الذي قام به ماتيراتزي، سلوك غير رياضي ويتنافى جملة وتفصيلا مع لوائح الفيفا.
انتهى المونديال ليس كما تمناه جوزيف سيب بلاتر، فالموقف كان حرجا للغاية وغير أخلاقي يتنافى مع الروح الرياضية واللعب النظيف الذي تتغنى به الفيفا، كما سقط فجأة شعار «لا للعنصرية في الملاعب»، الأمر الذي أدى ببلاتر إلى العزوف عن حضور حفل توزيع الميداليات والكأس. لكن ما حدث من زيدان ليس مجرد ضرب الخصم بالرأس، وإنما تصرف يشير إلى العديد من المشكلات والتناقضات التي يعيشها الاتحاد الدولي لكرة القدم والتي تعيشها ملاعب كرة القدم في معظم أنحاء العالم.
العالم بأسره وجّه اللوم والنقد لزيدان، اللاعب الفرنسي الجزائري الأصل، عن فعلته الشنيعة. لكن العالم لم يحاكم اللاعب الإيطالي ماتيراتزي ولم يتساءل هذا العالم بما فيه الصحافيون الرياضيون، هل دخل ماتيراتزي المباراة النهائية ليلعب كرة قدم نظيفة ويُمتع مشاهدين يقدرون بثلاثة مليارات نسمة في جميع أرجاء العالم، كانوا أمام شاشة التلفزيون يشاهدون، أم جاء للملعب ليستفز زيدان وليشتم أمه وأخته وينعته بكل الصفات، ليجرح مروءته وكرامته وشرفه وأصله ودينه وليسلط عليه بذلك إرهابا معنويا ونفسيا.
سلوك زيدان يشير إلى خلل كبير تعاني منه كرة القدم والفيفا ودول العالم بأسره. بلاتر وغيره من المسؤولين في الفيفا يواجهون مشكلاً خطيراً تعاني منه كرة القدم وملاعب كرة القدم وهو العنصرية. جوزيف سيب بلاتر وغيره من مسؤولي الاتحاد الدولي لكرة القدم يجب ان يعترفوا أمام الملأ أن التحكيم في مونديال 2006 كان وصمة عار على جبين «الفيفا».
فكيف يفسر سيب بلاتر الوضعية التي وصل إليها أحسن لا عب في المونديال باعتراف صحافيي العالم والفيفا، وهي التعرض للشتم والإهانة وتصرف عنصري لا يمت للرياضة ولكرة القدم بأية صلة. فلو كان حكم المباراة النهائية في المونديال مقتدرا لتحكم في مجريات المباراة كما ينبغي، حيث أن المدافع ماتيراتزي أرتكب خطأ فادحا في بداية المباراة عندما اعتدى على «تيري هنري» وكان حينها يستحق الطرد، كما أنه اعتدى لاحقا على زيدان حيث أصابه في كتفه. ومنذ البداية كان همه الوحيد هوالتحرش والاستفزاز والضرب وإقصاء الخصم بالطرد وبأية طريقة أخرى، لأن الغاية عنده تبرر الوسيلة.
من مبادئ الرياضة اللعب النظيف واحترام الخصم وعدم الغش، وما قام به ماتيراتزي ضد زيدان يتنافى جملة وتفصيلا مع هذه المبادئ حيث احتقار وازدراء الخصم وشتمه وإهانته واستخدام الغش ومبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» واعتماد الخشونة والضرب والاعتداء على الخصم.
والغريب أن الحكم ومساعديه والحكم الرابع كانوا يصولون ويجولون في الملعب دون الاهتمام بتصرفات كانت منافية للروح الرياضية ولأخلاق الرياضة في مباراة نهائي كأس العالم التي يشاهدها ثلاثة مليارات نسمة في جميع أنحاء العالم والتي حضرها رؤساء دول ووزراء وشخصيات كبيرة. تصرف زيدان أو ردّ فعله إزاء ماتيراتزي يخرج عن أخلاقيات الرياضة وأصولها ومبادئها، وهو فعل غير مبرر ولا يغتفر في أي حال من الأحوال، وزيدان نفسه اعترف بذلك واعتذر لأطفال العالم، لكن سلوك ماتيراتزي يجب كذلك أن يُعاقب ومثل هذه الأفعال العنصرية لا يجب أن تمر هكذا بمجرد أن رد فعل الخصم كان الضرب والاعتداء الجسدي.
الكبير يبقى كبيراً وما قام به زيدان ـ رغم أنه فعل غير شرعي وغير قانوني ـ ما هو إلا مجرد ردة فعل إنسان غيور على أصله ودينه وشرفه وكرامته. زيدان بضربه ماتيراتزي برهن للعالم أنه إنسان كالناس جميعا وأن الكمال لله، وانه ليس معصوماً من الخطأ، وكما أن له خصالاً حميدة ومهارات وميزات كبيرة وكثيرة فوق الملعب فله كذلك بعض النقائص.
زيدان لم يسجل أهدافا بيده ولم يتناول المنشطات ولم يغش الحكام والخصوم. من قال إن نهاية زيدان كانت مؤسفة؟، الواقع أنه راح ضحية خصم كان يغش، وبدلا من لعب كرة نظيفة كان يعتدي جسديا على الخصم، كان يشتم ويستفز المنافس ويمس بكرامته وشرفه.
زيدان شعبيتك زادت وسمعتك زادت، لقد تراجعت عن قرار اعتزالك لتلبية طلبات مشجعيك بالعودة فعدت وأبليت بلاء حسنا، حيث أنك أنقذت المنتخب الفرنسي من الإقصاء في المباريات التأهيلية لمونديال ألمانيا، وتأهلت فرنسا وأدركت الدور النهائي وخاضت المباراة النهائية ولعبت أحسن من خصمها ولم تغش، لكن شاءت الأقدار أن يحصل ما حصل وخسرت فرنسا لكن فازت مروءة وشهامة زيدان ونخوته.
جوزيف بلاتر والفيفا بحاجة إلى إعادة النظر في مشكلة التحكيم وفي آليات التعامل مع العنصرية في الملاعب، لأن أمثال ماتيراتزي ليس لهم مكان في ملاعب كرة القدم، وما يجري في محاكم إيطاليا هذه الأيام حول فضائح كرة القدم الإيطالية والتلاعب بنتائج المباريات والرشوة والفساد الإداري والتي طالت أندية عريقة ينتمي إليها 13 لاعبا من أصل 23 شاركوا مع منتخب إيطاليا الذي فاز بالنسخة الأخيرة من كأس العالم، لا يشرف كرة القدم ولا يشرف البلد الذي فاز بكأس العالم، فهناك تناقض صارخ بين الفساد والرشوة والغش، والفوز والنجاح. معادلة تتناقض جملة وتفصيلا مع المنطق والعقل، لكن يبدو أنها أصبحت صحيحة ومقبولة عند البعض.
أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة