ما يجري في فلسطين والعراق ليس سوى جرائم حرب. والاحتلال الأميركي في العراق وحده من يتحمل جريمة حرب إبادة شعب، وتدمير حضارة. وفي فلسطين فإن حكومة إسرائيل يمينها ويسارها الصهيوني - العمل - مسؤولة عن هذه المجازر التي يندى لها ضمير الإنسان.
حرب البربرية والإبادة تُزري بحروب القرون الوسطى، وما يجري في فلسطين يجدد كارثة «الهولوكست»، بل يبزها. تجري الحرب البشعة الاستعمارية في العراق، والعنصرية ذات التطهير العرقي في فلسطين في ظل صمت دولي راعب.
ومن ألسنة دخان الدمار الشامل تنتصب الأسئلة الدامية، هل لتفرد قطب دولي وحيد بالهيمنة دخل في فرض الأمر الواقع ؟ هل أحداث الـ 11 من سبتمبر الإجرامية تبرر السكوت عن جرائم كهذه ؟ هل الضعف والخذلان حد التواطؤ يطفئ سعير الأسئلة المصيرية ؟ هل انقسام الإرادة الداخلية يُسهم في تغاضي المجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان ؟ وهل تذكر هذه الحروب الدول الاستعمارية بماضيها؛ فتبعث ذكريات مما يجعل الإدانة خجولة ومتلبكة ؟!
وهل كثرة سماع ومشاهدة المجازر والقتل بالجملة، والتدمير المجنون يُبلِّد الضمير، ويبلبل المشاعر الإنسانية، ويجعل جرائم الحرب ممارسة عادية وواقعية ومألوفة؟! وهل عولمة العالم حد الاندماج قد فككت أواصر القربى الإنسانية، وجعلت منه عبيداً وأسياداً بالمعنى القروسطي ؟!
الأكثر فجائعية تبدل المواقف الدولية بعامة والعربية بخاصة؛ فالموقف الدولي وبخاصة الأوروبي كان متميزاً عن الموقف الأميركي، ويتعاطف بهذا القدر أو ذاك مع ضحايا الحروب، وضد الاحتلال والتطهير العرقي. وقد بدا أكثر ميلاً للمهادنة وعدم الاحتجاج. أما النظام العربي فقد أدار ظهره لما يجري في العراق وفلسطين ؛ فهو مشغول بمعاركه الداخلية، ولا قدرة له على عمل شيء «أي شيء» حتى لو كان مجرد إدانة شكلية،
بل إن الصحف الإسرائيلية وتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين راحت تُجِّير الصمت العربي لصالحها، وتتكلم عن الموقف العربي الرسمي، وكأنه مؤيد لها في حرب الإبادة ضد الفلسطينيين. وتقوم بعض الحكومات العربية بالضغط على الفلسطينيين وكأنهم هم الطرف المعتدي، والمطلوب منه التنازل.
وإن كان هذا لا يعني العمى عن رؤية ما يوفره تمزق الإرادة الداخلية في العراق وفلسطين؛ فالخلافات الفصائلية بين جبهتين متعاديتين حد الاقتتال في فلسطين توفر مناخاً ومعاذيرَ للعدوان الخارجي ،وتضعف التعاطف الدولي الغربي «المتلبك أصلاً»، والمتعاطف تاريخياً مع الدولة الإسرائيلية. كما أنَّ الانقسامات الطائفية في العراق، واللعب بورقة «السنة والشيعة» يعطي غطاءً للإرادة الأميركية الجهنمية لإطالة أمد الحرب، وتدمير الكيان العراقي، وتمزيق شعبة الموحد تاريخياً.
ومن السذاجة الوقوف عند تخوم هذه الخلافات الموجودة فعلاً، وكانت موجودة لآماد متطاولة، ولكنها لم تقف حائلاً دون تبلور الكيان العراقي الحضاري، ولم تؤد إلى الصراع إلا مع توفر العوامل الخارجية «الاستعمارية». والحقيقة أن محاولات اللعب بها تاريخياً قد فشلت إبان حملات المغول والتتار، ومع الاحتلال البريطاني الذي عجز رغم دهائه السياسي وخبرته الاستعمارية عن توظيفها لصالح استمرار بقائه على أرض الرافدين.
أما خلافات فتح وحماس فهي خلافات سياسية، يمكن أن تحل لولا حرب الإبادة الإسرائيلية التي تريد تدمير إرادة الشعب الفلسطيني، وطمس وابتلاع حقوقه الوطنية والمشروعة. إن تعافي الإرادة الداخلية للعراقيين والفلسطينيين والوصول إلى توافق وطني عام، يجعل التصدي للاحتلال الاستعماري في العراق والتطهير العرقي في فلسطين قضية القضايا. وهناك تلازم متين وعميق بين القضيتين، وما يجري في العراق يؤثر على الوضع في فلسطين والعكس صحيح.
وتدرك إسرائيل ربما أكثر من إدارة بوش أن هزيمة الجيش الأميركي في العراق آتية لا محالة. لهذا فهي تحاول مسابقة الزمن، وفرض تسوية الأمر الواقع، وتمزيق ما تبقى من الأرض الفلسطينية؛ بحيث يصبح بناء الدولة الفلسطينية هو المستحيل.