كثيراً ما يتحدث البعض عن ضرورة الحفاظ على المصالح العربية العليا بدون أن يحددوا بشكل واضح ودقيق ما المقصود بتلك المصالح، ولماذا يصفونها دائما بالعليا، وهو الأمر الذي حاولت مرارا وتكرارا أن أعيه وأن أفهمه ولم أصل إلى شيء على الإطلاق. وليعذرني القارئ الكريم، فما يحدث في المشهد العربي الآن ينطوي على تحديات وقضايا عديدة، يربطها الجميع بالمصالح العربية العليا، بما يُصعّب من عملية فهم هذا الواقع وتحليله.
في المواقف المصيرية التي يواجهها العالم العربي، مثلما هو الحال الآن في لبنان، يخرج علينا البعض في أبهى حلله، يمارس علينا دبلوماسية المؤتمرات الفندقية الفاخرة، ويتحدث بهدوء أعصاب يُحسد عليه حول ضرورة العمل من أجل الحفاظ على المصالح العربية العليا، وان الأوقات الصعبة التي يمر بها العالم العربي الآن تحتم العقلانية والرشد اللذين طالما افتقدناهما في عالمنا العربي المعاصر طوال نصف القرن المنصرم.
كون هذه المصالح عليا، ربما يمنحها ذلك الزخم الذي يجعل أولي الأمر أقدر على فهمها واستيعابها وتحديد ماهيتها مقارنة بالشعوب العربية الغلبانة التي تقف حدودها المعرفية وقدراتها العقلية فقط عند المصالح العربية السفلى. فالمواطن العربي الغلبان ليس له من هم سوى حدود بطنه، والجري اليومي وراء تربية أبنائه ورعايتهم علّ هذا الزمن يجود عليه من خلالهم بما لم يحصل عليه ويحققه طوال حياته. هذا المواطن لا يفهم شيئا في المصالح العربية العليا؛ لذلك فهو طوال حياته لا يعي ولا يدرك سوى المصالح العربية السفلى، التي تمثل في النهاية مصالحه اليومية المباشرة.
فالمواطن العربي يستشعر الخطر الإسرائيلي الداهم الذي يقتل اللبنانيين ويشردهم، والذي يدمر البنية التحتية اللبنانية. يشعر أن ذلك قريب منه سواء كان في لبنان أو في غيرها من الدول العربية الأخرى، وأن ما يصيب اللبناني اليوم سوف يصيبه في الغد القريب. هذا الإحساس المباشر الذي يستشعره المواطن العربي البسيط، لا يحتاج منه إلى الإلمام بكون هذه المصلحة العربية عليا أو استراتيجية، كما لا يحتاج الأمر منه إلى أي تعقل أو دراية أو إدراك، فالأمر كله مجرد إحساس وشعور بالخطر والخوف من القادم المجهول، وهو شعور إنساني طبيعي، بل إنه شعور تملكه كافة الكائنات الحيوانية والإنسانية عند الشعور بالخطر.
ومن الطبيعي جدا أن نجد الشارع العربي، رغم تدهور حالة الوعي عند الشعوب العربية الآن، يموج بالغضب والضيق مما يحدث في لبنان، على الأقل شعوريا، وهو أضعف الإيمان. ومن الطبيعي أيضا أن تأتي مباراة لكرة القدم لتشغل الجماهير عما يحدث في لبنان، حيث يختلط الحديث عن مذابح الصهاينة في لبنان مع أحداث المباراة. فالجماهير لا تفهم في المصالح العربية العليا، حيث يختلط عندها السياسي بالرياضي بالاقتصادي.
ورغم هذا الخلط الجماهيري، فقد بدت لي مواقف الجماهير أقرب للفهم والتعقل مما يسوقه البعض بخصوص المصالح العربية العليا. فالمواطن العربي البسيط لا يثق في أميركا، كما لا يثق في الكثير من الدول الغربية الداعمة لإسرائيل، وبالنسبة له تمثل الأمم المتحدة مجرد واجهة لتنفيذ السياسات الإسرائيلية الأميركية في المنطقة العربية. هذا المواطن يؤمن تماما بكذب أميركا وإسرائيل، كما يؤمن بعدوانيتهما المطلقة تجاه المنطقة، لذلك فمن الطبيعي أن يرتبط هذا المواطن بالمصالح العربية السفلي التي يجدها في هؤلاء الذين يرفعون راية العصيان والمقاومة تجاه أميركا وإسرائيل.
وإذا كان هذا المواطن البسيط هو الذي يدفع في الغالب الأعم ثمن العدوانية والبربرية النازية الإسرائيلية، فإنه يحق له أن يحدد طبيعة المصالح العربية المعاصرة، بغض النظر عن طبيعة التوصيف المرتبط بها، سواء أكانت عليا أم سفلى. فقبل الاعتداء النازي على لبنان، لم يعجب البعض وصول حماس للحكم، حيث وجهت العديد من الحكومات العربية سهام نقدها إلى الحركة وقيادييها، وربما يعبر الموقف الأخير من خالد مشعل عن هذا التوجه الحكومي العربي. لقد حاول البعض أن يكيف العالم العربي على هواه، وأن يرسم سيناريوهات جديدة للمنطقة من واقع فهمه وتقديره للمصالح العربية العليا التي لا يفهمها المواطنون العرب البسطاء.
ولم تكن هذه السيناريوهات متوافقة مع المصالح العربية العليا كما يدعي هؤلاء، فقد كان الهدف هو رأس حماس، ورأس المقاومة اللبنانية، وإزاحة النظام السوري، والانتهاء إلى تسوية شاملة تريح البعض ممن هم بعيدون عن خطوط المواجهة المباشرة مع إسرائيل. وهي سيناريوهات تأتي متوافقة مع المصالح الأميركية والأطماع الإسرائيلية في المنطقة العربية، والتي لم تهدأ منذ نشأة الدولة العبرية النازية وحتى الآن.
وفي الوقت الذي أدان فيه العديد من الدول الغربية تلك البربرية الإسرائيلية على لبنان، بما فيه دولة الفاتيكان، عاصمة المسيحية في العالم، فإنه وفقا لمبدأ المصالح العربية العليا، فقد آثر البعض أن ينأى بنفسه حتى عن موقف الإدانة الذي تعوده المواطن العربي من هؤلاء على مدى عقود طويلة من الزمان.
لا يمكن للمرء أن يخفي مشاعر الفرح التي انتابت المواطن العربي من المحيط إلى الخليج وهو يرى إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية، والهلع الذي أصاب الإسرائيليين. ولا يمكن هنا إنكار ذلك الحرج الذي تسببه صواريخ الكاتيوشا اللبنانية المتساقطة على المدن الإسرائيلية للكثير من الصواريخ العربية الأخرى التي أصابها الصدأ وهي محفوظة في ثلاجات الجيوش العربية.
ورغم بعد المسافة بين ما يعانيه اللبنانيون جراء البربرية الإسرائيلية، بما فيه استخدام الأسلحة المحرمة دوليا ضد المدنيين العزل، وبين ما يعانيه الإسرائيليون، فإن الأمر يؤكد على ضرورة المواجهة، وضرورة أن يستشعر الإسرائيليون ما يستشعره العرب كل يوم من مهانة وإذلال. فحسابات المواجهة لا تقف فقط عند ميزان القوى والعتاد العسكريين، لكنها تتجاوز ذلك إلى الإيمان والثقة بالنفس والرغبة في الحفاظ على الحدود الدنيا من الكرامة.
على البعض أن ينحي جانبا المصالح العربية العليا وأن يقبل بالنزول صوب المصالح العربية السفلى، لكي يتوحد بالمواطن الغلبان، ويشعر بمدى الفرح الذي يكتنفه مع سقوط كل صاروخ لبناني على المدن الإسرائيلية. على البعض أن يترك العقلانية المريضة التي يصر على التمسك بها، ليتوحد مع بساطة وتلقائية الجماهير العفوية الأكثر إدراكا والأكثر فهما لمتطلبات المرحلة الراهنة التي لا تنفع معها دبلوماسية الخمس نجوم.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com