ربما يكون الرئيس الأميركي جورج بوش حاكما لأقوى دولة في العالم ، تستطيع تحريك جيوشها والسيطرة على القرار السياسي للغالبية العظمى من دول العالم وحتى الاتحاد الأوروبي ، وربما تستطيع أن توقف كل قرارات العدالة الدولية من خلال الفيتو في مجلس الأمن ، وتستطيع شل قدرة الأمم المتحدة على التدخل الدولي. ولكن الرئيس بوش لا يملك الحق ابدا في تزييف التاريخ ، ولا في إعادة تعريف مشكلة الشرق الأوسط كما يريد ، أو بالأحرى كما يريد مستشاروه من المحافظين الجدد الملتصقين بالفكر الصهيوني.

قال الرئيس بوش قبل يومين في اجتماع قمة الدول الصناعية ان "السبب الجذري لمشكلة الشرق الأوسط" هو حزب الله وان اي حل لا بد أن يمر عبر التخلص من تهديد حزب الله. وفي الواقع يعتبر هذا التصريح من أكثر ما سمعناه جهلا بالتاريخ والواقع من قادة الدول الغربية.

نحن لا نريد العودة كثيرا إلى التاريخ ، ونقول ان "السبب الجذري" للمشكلة هو وعد بلفور الذي تجاوز القانون الدولي ليسمح باغتصاب أرض فلسطين ، بل نقول ان السبب الجذري للمشكلة حسب قرارات الأمم المتحدة وكل وثائق التاريخ هو الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية واللبنانية ، وتدمير المنشآت وقتل الأبرياء وارتكاب المجازر والإذلال والحصار الاقتصادي والسياسي الذي تقوم إسرائيل بممارسته يوميا ضد العرب.

ان حزب الله ، الذي ينفذ برنامج مقاومة في نظر العرب ، وبرنامج "إرهاب" في نظر إسرائيل والولايات المتحدة ، هو نتيجة طبيعية وحتمية للاحتلال الإسرائيلي وليس سببا لأزمة الشرق الأوسط ، وسينتهي تأثير حزب الله في اليوم الذي ينتهي فيه الاحتلال الإسرائيلي وتصل فيه المنطقة إلى الحل النهائي الذي يضمن حقوق الشعوب العربية وإنهاء العنصرية الإسرائيلية وعدوانها المستمر.

ان السبب الجذري الرئيسي لأزمة الشرق الأوسط ، سيادة الرئيس بوش ، هو الانحياز الأميركي السافر وغير الأخلاقي لإسرائيل ، وهذا الإنحياز الذي توفره أكبر قوة سياسية وعسكرية في العالم يسمح لإسرائيل بارتكاب كل جرائم الحرب ومواصلة الاحتلال وعنجهية القوة والاستهداف المبرمج لمقومات الدول العربية ، بل الاستهداف الواضح للإنسان العربي نفسه الذي بدوره يخلق كل أنواع الحقد والغضب والكراهية والإحباط في الشرق الأوسط ، وهي حالة ينتج عنها العنف بشكل طبيعي ، وتنتج عنها المقاومة الشرعية التي هي حق لكل شعب تحت الاحتلال والتشريد والتدمير ، وهو حق لن تلغيه اية قوة عسكرية في العالم حتى الولايات المتحدة.

لا تملك إسرائيل إلا القوة العمياء ، وهي تستطيع بواسطة تأثيرها على الإدارة الأميركية أن تتمتع بغطاء سياسي توفره الولايات المتحدة يسمح لها باستمرار دائرة القتل ، وقد تعتقد الإدارة الأميركية بأن اسلوب القتل سيحقق الأمن لإسرائيل ، ولكن ما لا يعرفه الرئيس الأميركي في بحثه عن الأسباب الجذرية للأزمة أن المقاومة ليست تنظيما ولا شخصا ولا طائفة ولا تيارا سياسيا مدعوما بدولة ، بل هي حالة وممارسة مستمرة تبدأ في القلب والعقل العربي الذي يتعرض للإجرام الإسرائيلي ، ولا يمكن أن يحل السلام إلا بانتهاء الاحتلال. هذا هو السبب الجذري سيادة الرئيس.