من المتعارف عليه أن الأزمات تجمع الأمم وتوحد الشعوب وتلم شتات النفوس، غير أنها في المنطقة العربية شيء آخر يتعلق بالطعن بالآخرين وتخوينهم والنيل منهم، والتباري في المزايدة على الوطنية، في ظل ما أصاب هذه الوطنية من انكسارات متتالية.
ورغم وحدة الموقف العربي من العدوان على لبنان والشعب الفلسطيني، إلا أن إبداء آراء تختلف عن آراء الآخرين رأى فيه بعض الشتامين ممن يطلق عليهم سياسيون أو وزراء سابقون أو محللون سياسيون فرصة استعراض قوميتهم بشتم الآخرين والقدح بمواقف المخالفين والتطاول على قامات كبيرة.
عندما وصفت بعض الدول العربية عملية حزب الله وراء الخط الأزرق بأنها لم تكن محسوبة. وحذرت من نتائجها الكارثية، انطلق البعض في جوقة طويلة للتطاول على ساسة الأمة وقادتها.
رغم علمهم أن أدوات الحل العربي محدودة إن لم تكن معدومة، وأن تفسير ما جرى جاء في إطار الحرص على مكاسب الأمة وصيانة أمنها القومي والوطني، وأنه لا يدخل في أي إطار سياسي ضيق أو مصالح ذاتية، لأن التصفيق للحرب في منطقتنا العربية أمر مريح للنفس جراء الإحباط المتكرر من الهزائم السابقة ومن السياسات الدولية المنحازة.
إنه ما من شك في أن الأمة متوحدة للتضامن مع الشعبين الفلسطيني واللبناني، وأن الجميع يسهمون في دعم الشعبين كل وفق طاقته السياسية أو المادية، غير أن ذلك لا يمنع الجدل الموضوعي حول أولويات الوسائل الناجعة للتحرير وإنجاز السيادة، كما لا يمنع التمايز في التفسير السياسي للأزمة.
وهذا لا يستدعي الشتم والضغائن، لأن الأمم المستنيرة هي التي تقدح الذهن في تلمس كافة وسائل التحرر والتقدم. وقد رأينا نتائج الطغيان والاستبداد في توحيد الرأي السياسي وأثره في الهزائم التي لحقت ببعض الدول القوية عسكرياً مثل ألمانيا في الحرب العالمية وفي منطقتنا العربية بالعراق وما حل بهذا البلد من كوارث جراء ادعاءات الوطنية والقومية التي تتخذ ستاراً للجم التعبير السياسي والإرادات المختلفة.
إن على المحللين من سياسيين أو إعلاميين أن يدركوا أن الحروب ليست الخيار الوحيد للأمة مهما تعثرت أدوات السلام، وأن التعدد وليس الاختلاف قد يكون مفيداً في تقييم الأحداث الراهنة في المنطقة، وأن الأمة قد تكون أفضل في ظل خيارات متعددة.