قدمت الأمم المتحدة أدلة إضافية على عجزها وضعفها وخورها أمام حماقة القوة الصهيونية، وسطوة النفوذ الصهيوني، في واشنطن، وبالتالي في عواصم القرار الدولي، وللأسف ساقت المزيد من البراهين المجانية على صدق الموقف الرافض لهذه المنظمات وللنظام الدولي القائم على الانحياز للقوة ضد العدالة، وللغاصب والمعتدي، على حساب أصحاب الحق.
في لبنان يكتوي أشقاؤنا بنيران عدوان همجي في وحشيته، يدمر جسوره ومرافئه ومطاراته ومستشفياته ومدارسه، ومصانعه، ويحرق بساتينه ومزارعه، ويهدم منازله ويسويها بالتراب على رؤوس ساكنيها، حتى يعاد عشرين عاما الى الوراء، وتسرق منه صفحات الصمود في وجه اجتياح اسرائيل له عام (1982)، وإفشاله عدوان (1993) ومجزرة عناقيد غضب (1996) وانتصاره وتحرير الجنوب عام (2000).
تحرق أجساد الضحايا والشهداء بقنابل وأسلحة فتاكة محرمة دوليا، وتتحول الحافلات المخصصة لنقل العائلات النازحة من الجنوب تحت تهديد جنرالات إسرائيل، الى مقابر متحركة وافران لحرق أجساد ركابها، بطريقة لا تقل بشاعة عن أسطورة أفران الغاز التي تبتز بها الصهيونية أوروبا، وألمانيا تحديدا. لدرجة ان المستشارة الحالية انجيلا ميركيل لم يهتز لها جفن وهي تصرح على هامش قمة الثماني ان الطريق الوحيد لوقف العنف هو الإفراج عن الجنديين الإسرائيليين الأسيرين فورا، ونزع سلاح حزب الله.
وقدم مجلس الأمن الدولي صورة صارخة للعدالة العمياء، التي لا تبصر ولا ترى المجازر المتحركة في ارجاء لبنان، ولا تشاهد صور الأطفال المحروقة أجسادهم، وهم يهربون من جحيم القصف، وينفذون مجبرين الأوامر العسكرية للمعتدين بمغادرة قرية مروحين، وإلا سوف يدفنون تحت الأنقاض، لكنهم بدافع من نوايا حسنة وبقية من ثقة في غير موضعها، لجأوا الى مقر القوة الدولية، الفرنسية أولا ثم الفيجية، وتم رفض طلبهم بتوفير ملاذ آمن لهم، وقيل ان القيادة الدولية لا توافق.
وفى طريق النزوح اصطادتهم طائرات إسرائيل، وحولت حافلتهم وسيارة أخرى الى أفران نيران تشوي الأجساد قبل ان تزهق الأرواح. أليس هذا شراكة في الجريمة، او على الأقل تواطؤ دولي يفضح عجز ويحرض على تغيير هذا النظام الدولي الولود للازمات الراعي للدول المارقة الكبرى؟
لم يرد لهذه المجازر وغيرها أي ذكر في بيان مجلس الأمن الدولي، او في بيان مجموعة الثماني الكبار(صناعيا) الصغار في مستوى الشعور بالمسؤولية الأخلاقية عن امن واستقرار هذا العالم، والذين يدفعونه الى حافة هاوية من الحروب والصراعات الحضارية والمواجهات بين الشمال والجنوب او بين العرب والمسلمين من جهة والغرب من جهة أخرى.
وبدا المشهد الدولي خلال الأيام السبعة من العدوان الشامل على لبنان، وشهور بل سنوات من المجازر اليومية للفلسطينيين، وكأنه غير عابئ بجرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل، بل ظهرت مؤشرات على التواطؤ الغربي مع الطغمة الصهيونية في تل أبيب، ويخرق الغرب صمته المريب ويفتح عيونه فقط عندما يتم اسر جندي إسرائيلي في غزة، او اثنين فى جنوب لبنان، اما آلاف الأسرى العرب ودماء مثلهم من الشهداء فلا تستحق مجرد الرثاء من ضمير أوروبي او أميركي أدمن النفاق والكذب والخداع، لدرجة تستباح فيها أنبل القيم واشرف الكلمات للدفاع عن جرائم الإرهابيين الصهاينة، وتصورهم على انهم ضحايا لـ «الإرهاب» العربي والإسلامي.
في اللحظة الراهنة يبدو الحديث عن تغيير النظام الدولي محض «أحلام يقظة» او ضربا من الخيال السياسي، لكنه استشراف واقعي لما هو آت، فلقد استنفد النظام الأحادي القطب مبررات بقائه، بعد خمسة عشر عاما من انهيار القطب السوفييتي، وجلب لعالمنا كوارث وحروبا عبثية، وأشعل صراعات تجعل من كوكبنا قنبلة موقوتة مهددة بالانفجار في إي لحظة، واستخدم شعار «الحرب ضد الإرهاب» مجرد وسيلة لحماية الإرهابيين الكبار.
وضرب المنظومة العقائدية للمشروع الحضاري العربي الإسلامي في الصميم، وتمهيد الأرض وتهيئة الأجواء لبزوغ نظام إقليمي جديد تبرز فيه كيانات طائفية، وتكون إسرائيل هي القطب القائد والمهيمن في المنطقة، بحيث يصعب على راغب في استعادة وحدة الأمة العربية ان يحقق أهدافه الا عبر بحار من الدماء والصراعات، للقضاء على «الكانتونات الطائفية» التي ستحل محل الدولة القطرية العربية.
فوق كل هذه الأهداف يأتي هدف القضاء على روح المقاومة وإرادة الدفاع عن كرامة الأمة، فهو السبيل الوحيد لضمان انتصار المشروع الصهيوني، وبدلا من المقاومة وأدبياتها تتم إشاعة روح الخنوع والحل الفردي والبحث عن طوق نجاة، او فتات على موائد «اللئام» الكبار.