مشاهد الحرب الصهيونية المجنونة التي تشن على كل العرب والمسلمين والدائرة بضراوة ووحشية على أرض لبنان والعراق وفلسطين، مع كل ما سببته لشعبنا العربي من مآسٍ إنسانية عميقة تتمثل في مواكب الشهداء وقوافل الجرحى والنازحين لا يمكن التقليل من آلامها، وتضحيات مادية هائلة بتدمير البنى الأساسية والمنشآت الحيوية لا يمكن التهوين من خسارتها.
هذه الآلام، والخسائر لا يمكن الآن أن تصيب شعبنا العربي بالقنوط مهما علت أثمانها ومهما غلت تضحياتها، لأن الضربات الصاروخية المؤثرة، والمدمرة لنظريات الجدر العازلة والحدود الآمنة التي يتبناها عدونا الصهيوني، نقلت المعركة إلى ساحة العدو لأول مرة على يد المقاومة الوطنية الإسلامية اللبنانية التي أهدت للعرب نصرا عسكريا مشرفاً على عدوهم بتحرير الجنوب اللبناني عام 2000.
كما أن الشعب العربي لم يعد وحده الذي يدفع الثمن سواء في غزة أو في جنوب لبنان بعد نجاح مقاتلي حزب الله اللبناني في تصدير الخسارة والألم إلى جيش العدو الصهيوني أيضا صانع آلام كل شعوب المنطقة، وفى إجباره على دفع الثمن العسكري والاقتصادي الباهظ لغطرسته وعدوانه من ضحايا بشرية أو خسائر مادية، بمبدأ العين بالعين والسن بالسن، ليتألم العدو كما نتألم، بينما نرجو كأصحاب حق من الله مالا يرجون، انطلاقا من قاعدة توازن الردع.
ومع تصاعد وتيرة هذه الحرب واتساع دوائرها وتفاقم مخاطرها، وتعاظم خسائرها على الجانبين العربي والصهيوني بكل ما تحمله من تداعيات بالغة الخطورة، ونتائج مجهولة النتائج، تهدد بتفجر الأوضاع في المنطقة والتحول إلى حرب إقليمية وتورطات دولية، وتنذر بتصاعد تيارات العنف العشوائي، وتصاعد موجات الإرهاب المنظم، خصوصا بعد إعلان العرب رسميا فشل عملية السلام.
فإن تفجر الوضع في المنطقة العربية والإسلامية إلى هذه الدرجة من الخطورة والاشتعال إنما هي تداعيات لمقدمات تجميد الأفق السياسي البديل عن العنف، تتحمل مسؤوليته بالكامل إسرائيل أولا المغتصبة للأرض العربية، والخارجة على القانون الدولي، والمتحدية لقرارات الأمم المتحدة والتي تمارس إرهاب الدولة والعدوان الوحشي ضد شعوب المنطقة.
كما تتحمل مسؤوليته الدول الخمس الكبرى المهيمنة على النظام الدولي، وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية التي أدمنت في السنوات الأخيرة استعمال حق الفيتو ضد القرارات التي تدين عدوان إسرائيل، وإساءة استخدام الحق خدمة لأجندتها الخاصة المخالفة لتحقيق العدالة الدولية.
وذلك بحكم مسؤولية هذه الدول عن تنفيذ قرارات ما يسمى بالشرعية الدولية على الدول المتحدية لهذه الشرعية وأولها إسرائيل، وذلك بحكم مسؤولية هذه الدول عن شرعية هذه الشرعية، نظرا لملكية هذه الدول لحق الفيتو، ولعضويتها الدائمة في مجلس الأمن، الذي يمثل رأس النظام الدولي، والمسؤول عن فرض الأمن والسلم الدوليين على جميع الدول بغير تحيز أو تمييز.
وأيضاً الدول الثماني الصناعية الكبرى التي نظرت في «بطرسبرج» إلى صورة في الحرب الإسرائيلية التدميرية ضد الأراضي اللبنانية والفلسطينية مقلوبة، ونظرت بعين أميركية واحدة إلى تلك الصورة وخرجت بقرارات غير متوازنة وغير قادرة على جلب السلام أو الاستقرار إلى المنطقة، في حين أن هذه الدول هي التي سوف تتحمل دفع فاتورة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
وتنضم إلى هؤلاء بعض الدول العربية التي سلمت مصيرها إلى اللجنة الرباعية الدولية المسؤولة عن جمود وفشل عملية السلام، وتفجر العنف والعنف المضاد واشتعال الحروب العدوانية بضوء أخضر لإسرائيل لمواصلة الاحتلال والعدوان والإرهاب ضد شعوب المنطقة من خلال الانحياز الدائم للسياسة الأميركية التي أصبحت بكل أسف هي الوجه الآخر للسياسة الصهيونية!
ولا يمكن في الواقع أن نحمل مسؤولية انهيار عملية السلام في الشرق الأوسط لقوى المقاومة الوطنية التي تقاتل العدو المحتل لتحرير الإنسان الواقع في الأسر، أو الأرض الواقعة تحت الاحتلال في أي بلد عربي يقع تحت الاحتلال.
لأننا بذلك نقع في شرك التناقض مع أنفسنا، وليس فقط مع مبادئ التضامن بين الشعب العربي الواحد في القضايا العربية المشتركة، ولا مع المبادئ الإسلامية التي تدعو المسلم للتصدي للظالمين ونصرة المظلومين حتى لكل شعب من غير المسلمين، بل أيضا في تناقض مع قواعد القانون الدولي التي تجرم احتلال أراضي الشعوب، وتحرم شن الحروب العدوانية على الشعوب، والتي تعطي الحق لكل الشعوب في مقاومة الاحتلال، وبكل الوسائل.. وهذا بالضبط ما يجري في فلسطين وفي العراق وفي لبنان.
mamdoh77t@hotmail.com