الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى اعترف بصدق وجرأة وموضوعية أن عملية السلام في الشرق الأوسط «ميتة». إنه الاعتراف الذي طالما انتظرناه من مسؤول رسمي رفيع المستوى في هذا العالم العربي الصامت. إنه الاعتراف بالحق وهذا بطبيعة الحال فضيلة لأنه لم يعد مناسباً أبداً بعد كل هذه السنوات ألا يظهر علينا سياسي رسمي ويقول إن السلام مع إسرائيل خدعة أو ميت أو حتى انه لم يولد أساساً ليموت.

وهذا الاعتراف الرسمي لا يعني أن الشعوب العربية أو غالبيتها لم تكن تدركه وتعلمه وتعيشه بل وتعايشت معه طوال السنوات الطويلة الماضية، ولكنها شعرت بالارتياح وتنفست الصعداء وأصبح الموقف الرسمي والشعبي في الوطن العربي الكبير موحداً حول مسألة مصيرية في أمس الحاجة لإعادة النظر والتقييم والدراسة والتحضير واتخاذ القرارات المناسبة.

وبالرغم من ذلك فلا بد من القول إن اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية العرب قبل أيام جاء مخيبا للآمال ولا يعدو كونه حقنة تخدير حاول مجلس الجامعة من خلاله تهدئة الرأي العام العربي وامتصاص حالة الغضب والسخط التي تسيطر على الشارع العربي الذي أصابه اليأس والإحباط من الموقف العربي الرسمي تجاه العدوان الإسرائيلي البغيض الذي دخل أسبوعه الرابع في قطاع غزة ويقترب من نهاية أسبوعه الأول في لبنان.

هذا الغضب السائد في النفوس والضمائر العربية هو ترجمة لهذه الصحوة العربية الرسمية المتأخرة التي انتهى إليها مجلس الجامعة العربية حول عملية السلام «الميتة» التي يشعر الشعب العربي أنها لا تعدو أن تكون أكثر من تخريجة غير مقبولة لحالة العجز العربي الرسمي الراهن، والإصرار على أن الحل لا يزال يكمن فقط في الذهاب إلى مجلس الأمن لمطالبته باتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي، وكأن العرب لم يعد لديهم البدائل المختلفة التي يجب لها أن تسبق الزيارة المرتقبة لمجلس الأمن في سبتمبر المقبل من قبل الوفد العربي التي أعلن عنها الأمين العام لجامعة الدول العربية.

ماذا سيفعل العرب إذا ما أدار مجلس الأمن ظهره كما هو متوقع وكما أثبتت التجارب السابقة منذ خمسين عاماً؟ وهل اتفق العرب على البديل أو البدائل لإدارة الصراع مع إسرائيل في حال فشلت الجهود القادمة في مجلس الأمن؟

إنه سؤال مشروع لاسيما وأنه يأتي في سياق ما قاله الأمين العام عمرو موسى عندما أعلن أنه تم إقرار فشل كافة المشاريع والمبادرات واللجان الخاصة لدفع عملية السلام قدماً في منطقة الشرق الأوسط. وأن العرب سئموا من عدم وجود «شريك نزيه»، أو من الحديث عن «لجنة رباعية أو تساعية»، أو الحديث عن «الإرهاب والإرهابيين هنا وهناك»، وبات الحديث عن «مجموعة من الدول العربية والآسيوية والشرق أوسطية ومحاولة الترويج لفرض عقوبات عليهم، لم تعد تنطلي على أحد».

وأضاف السيد عمرو موسى الكثير بهذا الخصوص ولكن الذي لم يقله بشكل واضح وصريح هو أن الأمر كله مرتبط بإرادة الولايات المتحدة وعلاقاتها الخاصة مع إسرائيل وبعدم رغبتها في إلزام حليفتها بتنفيذ القرارات الدولية المتصلة بالقضية الفلسطينية التي هي لب الصراع العربي ـ الإسرائيلي. وبالتالي فإن الحديث عن اللجوء لمجلس الأمن وتحميله المسؤولية لن يكون سوى مضيعة للوقت لأن واشنطن ستستخدم حق النقض (الفيتو) مثلما حدث قبل أيام قليلة في الموضوع الفلسطيني ونجحت أيضاً في إجهاض الجهود العربية والدولية لاستصدار قرار دولي بخصوص العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان.

ألم تتبن كل الدول العربية استراتيجية السلام قبل عقد من الزمن ونبذت الإرهاب بكل أشكاله واتخذت قراراً بأن الحرب الشاملة ليست الحل المناسب وأن المفاوضات السياسية هي الطريق الأنجع للوصول إلى حل للقضية الفلسطينية وتبنت المبادرة العربية في بيروت عام 2002 كخيار استراتيجي لإنهاء الصراع مع إسرائيل. وهذا كله جاء نتيجة التطورات الإقليمية والدولية وحتى الداخلية.

ولكن إسرائيل في هذه المرحلة، وكانت في الماضي أيضاً، لديها مشروع سياسي واضح بعنوان «الانسحاب آحادي الجانب»، تدعمه واشنطن، يتم تطبيقه ضمن استراتيجية هدفها إجهاض المقاومة تماماً في فلسطين والدول المجاورة. وهذا المشروع الذي تم تطبيق جزء منه بعد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة سيتم تطبيق الجزء الثاني منه عندما تنسحب إسرائيل من أجزاء من الضفة الغربية طبقاً للحدود التي رسمها الجدار العازل.

أما ما تبقى من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، أي كانتونات صغيرة مقطعة، فتقام عليها دولة فلسطينية رمزية إما بالارتباط مع إسرائيل أو مع الأردن. وهذا طبعاً يجب أن يكون أمراً مرفوضاً عربياً لأنه لا يرتقي إلى الحد الأدنى للمبادرة العربية التي وافقت عليها جميع الدول العربية بدون استثناء، والتي هي بالأساس الحد الأدنى لأي مشروع سياسي لإنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

من أجل ذلك نسأل: ما المانع الآن بعد فشل العمل السياسي والعمل العسكري التقليدي أن تتبنى الدول العربية إلى جانب القرارات التي تم تبنيها في بيروت عام 2002، قراراً عربياً واضحاً بتبني خيار المقاومة المشروعة في كل من لبنان وفلسطين والجولان وتقديم الدعم الكامل حتى يتم تحرير كامل الأرض العربية وتنفيذ جميع القرارات الدولية ذات الصلة، مع عدم التراجع عن خيار السلام والمبادرة العربية للسلام. وهذا لن يتناقض مع القانون الدولي ولا مع الشرعية الدولية ولا الحقوق الدولية للإنسان، بل إن المقاومة ضد الاحتلال حق كفلته جميع القوانين والأعراف الدولية ومارسته جميع شعوب العالم.

إن المقاومة الفلسطينية التي تتصدى للمشروع السياسي الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، والمقاومة في لبنان التي تتصدى للمشروع السياسي الإسرائيلي في لبنان، وأخطر بنوده التوطين، يجب دعمهما إلى جانب المفاوضات لتفعيل كل وسائل الضغط العربية لدفع إسرائيل والمجتمع الدولي نحو اتخاذ خطوات حقيقية لتحقيق السلام العادل والشامل ونشر الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

إن إسرائيل وبفعل استراتيجية المقاومة والمفاوضات معاً ستضطر في نهاية المطاف لتطبيق القرارات الدولية لأنه ثبت للجميع بعد التطورات الأخيرة في لبنان وفلسطين أن الاستراتيجية العسكرية التي تنفذها إسرائيل هي ردود فعل انتقامية جاءت نتيجة إخفاقات عسكرية وفشل نظرية القوة وفرض الأمر الواقع. إن العنجهية العسكرية الإسرائيلية وما يسمى هيبة الردع الإسرائيلي هي التي تتحكم في مسار الرؤية الإسرائيلية عند الساسة الإسرائيليين تجاه القضايا العربية المختلفة.

إن العرب في هذه المرحلة وبالرغم من سقوط الشهداء وتدمير البنى التحتية في كل من فلسطين ولبنان والعراق يقفون أمام مرحلة مفصلية هامة تبشر بمستقبل واعد بعد سنوات القحط التي رافقت المنطقة منذ حرب الخليج الأولى. إنها مرحلة الالتقاء والتلاقي بين النظام العربي الرسمي مع شعوبهم لنفض غبار الخديعة الكبرى أو ما سمي «بالسلام» والمضي قدماً نحو تحقيق المصالح العليا برؤى وآليات واضحة وعملية ومجربة قادرة على حماية الأمن القومي العربي.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com