المحنة التي تعيشها بيروت الآن ليست جديدة عليها، فطالما قرع الأعداء الظالمون على رأسها طبول الحرب، وكثيرا ما عاش أهلها المحبون للحياة على حواف الموت، أو كابدوه راضين محتسبين، وتعايشوا مع ألسنة اللهب التي تطلقها الآلة العسكرية الإسرائيلية الهمجية، وسخروا منها، وصبروا عليها حتى خمدت تماما وصارت رمادا وبردا، لتعاود بيروت تألقها،
وتواصل مسيرتها الحضارية التي تؤرق كياناً جديداً على الدنيا مثل إسرائيل، وتضرب بأرجلها أكثر في عمق تاريخ طويل من الإبداع والبطولة والرجولة، فتقلق تل أبيب المشيدة حديثاً وفي غفلة من الزمن فوق بحار من دماء عربية طاهرة بريئة، وعلى تلال هاوية من تزييف التاريخ، وابتزاز الأمم.
إن لبنان يمتلك ما يخيف إسرائيل أكثر من أسلحة المقاومة وشجاعة جنودها البواسل، وتحوز وسائل أخرى تحقق النصر والعزة والتقدم أمضى من طلقات المدافع وزمجرة الدبابات الهادرة وأزيز الطائرات الخرساء الغبية وأحذية الجنود الصماء الثقيلة. يملك لبنان الحرية، التي أهلته دوما أن يكون قبلة لكل المبدعين العرب، الهاربين من رقباء السلطات المستبدة.
ويمتلك لبنان النظام السياسي الديمقراطي الذي يقارع نظام إسرائيل، الديمقراطي شكلا العنصري مضمونا، وتتيه به على كل المنطقة، وتسّوقه للعالم أجمع كي يرسمها في أذهان المغرضين والمتعجلين وأصحاب المصالح فكرة زائفة عن الرقعة الحرة في ثوب الديكتاتوريات العربية.
ويمتلك لبنان قدرة هائلة وعجيبة على تجاوز محنه، ولم شمله، وتضميد جراحه، وهذه مزية قلما يحوزها شعب، ونعمة لا تؤتى لكثيرين. فلبنان خرج من الحرب الأهلية، التي تخللها اجتياح إسرائيلي كاسح، مثخنا بجراح شتى، فالبنية الأساسية منهارة، والأحزاب السياسية لا تعدو أن تكون ميليشيات مسلحة يرتبط اسمها في أذهان كل اللبنانيين بالويلات والدمار،
والطوائف مغبونة حول نصيبها من الكعكة السياسية، ومشكلات التكامل الوطني والهوية والشرعية جاثمة على كل الصدور وفي كل الشوارع والضياع والفجاج. لكن اللبنانيين لم يلبثوا أن طلقوا الحرب الأهلية من دون رجعة، وامتلكوا مرونة شديدة، ولياقة سياسية فائقة، في مواجهة الأزمات، وآخرها تلك التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري.
ولدى اللبنانيين طاقة هائلة على احتضان المقاومة العربية، وإصرار على القيام بنصيب وافر في الصراع الحضاري ضد إسرائيل أكبر بكثير من حجم بلدهم الجغرافي والديموغرافي وقدراته العسكرية والاقتصادية. ويحوز لبنان في الوقت نفسه خبرة كبيرة في الانفتاح على العالم الخارجي، سواء من خلال تقبله لمختلف الثقافات الإنسانية التي تعيش جنبا إلى جنب، أو عبر أبنائه المغامرين المسافرين وراء البحار، والذين وصلوا إلى أرقى المناصب في أميركا اللاتينية، وأعلى نفوذ في غرب افريقيا،
ولا تزال تربطهم بوطنهم الأم صلة رحمى وقربى وولاء شديد. وبات لبنان يمتلك طبقة جديدة من رجال الأعمال، تحدوها آمال لا حد لها، وتدفعها طموحات لا تتوقف، في إعادة إعمار بلادها، وجعلها منطقة جذب للاستثمارات من كل حدب وصوب. ويمتلك لبنان شاطئا عريضا يفتح ذراعيه لملايين السياح من مشارق الأرض ومغاربها، ويزاحم شواطئ إسرائيل، التي بدأت في السنوات الأخيرة تعول على السياحة كمصدر مهم للدخل. ولدى النخبة الاقتصادية اللبنانية برامج ورؤى طموحة لتطوير الاقتصاد الوطني، والوصول به إلى مصاف راقية.
لكل هذه الأسباب تحقد إسرائيل على لبنان، وتسعى إلى تدميره، بأي شكل، وتحت أي ذريعة. فقد انتظرت أن تشتعل فيه حرب أهلية مرة أخرى، لكن اللبنانيين امتلكوا زمام أنفسهم، وتجاوزا الأزمة بسلام، وانهمكوا في بناء بلدهم، في حين مضت المقاومة في طريقها إلى مزيد من القوة والمنعة. وهذا النجاح المزدوج لا يروق لإسرائيل أبدا، ولذا تركز في ضربها للبنان على البنية التحتية، وإثارة الهلع في نفوس أبنائه الذين طالما واجهوا الأهوال رابطي الجأش، ثابتي العزيمة،
وتذهب في ردها على قيام حزب الله بأسر جنديين وقتل ثمانية إلى ما هو أبعد بكثير من تحرير أسير، أو حتى الانتصار لكرامة الجيش الإسرائيلي التي جرحها «الوهم المتبدد» و«الوعد الصادق». لكن مهما بالغت إسرائيل في تجبرها لن تستطيع أبدا أن تطفئ شمس بيروت، وستظل هذه المدينة الأبية الجميلة «نجمة» العرب، كما وصفها محمود درويش، وستعاود أداء رسالتها السامية حيال الحرية والديمقراطية وحب الحياة، بقدر حب الاستشهاد في سبيل الله والوطن والكرامة.