تذرعت إسرائيل بإحدى العمليات الفدائية للمقاومة الفلسطينية المتحالفة مع القوى الوطنية اللبنانية عام 1978 لتقوم بأول غزو عسكري لجنوب لبنان باسم «عملية الليطانى» بهدف تصفية المقاومة ضد إسرائيل من الجنوب ودفع قوات منظمة التحرير إلى الشمال بعيدا عن خط حدود الهدنة اللبنانية الإسرائيلية شمال نهر الليطاني.
واللافت للنظر أن هذه العملية الفدائية التي تمت قرب «حيفا» في عمق فلسطين انطلاقا من جنوب لبنان، وقعت برغم أن الدولة اللبنانية كانت تبسط سلطتها وسيادتها بواسطة الجيش الوطني على الجنوب، وبرغم السيطرة المرعبة لـ «جيش لبنان الجنوبي» التابع لإسرائيل في الجنوب، ولم يمكن وقف عمليات المقاومة!
ويلفت النظر أيضا أن إسرائيل أقدمت على هذا الغزو العسكري بقوة 25000 جندي، واجتاحت سيادة وأراضي دولة مستقلة، وعبرت الحدود شمالا، وقتلت مئات اللبنانيين وجرحت آلاف المدنيين الآمنين، وأسرت عشرات اللبنانيين والفلسطينيين المقاومين للغزاة المحتلين، وبرغم بسط سيادة الدولة اللبنانية على الجنوب، ورغم انتشار الجيش اللبناني! لم يمكن منع عملية الغزو!
ولكن كانت لإسرائيل أهداف أخرى لاعلاقة لها بعملية فدائية محدودة، فكانت سرقة مياه نهر الليطاني واحدا من بين الأهداف، وكان السعي للتأثير على موازين القوى اللبنانية ومعادلات الصراع الأهلي بين اللبنانيين لصالح الأطراف المتعاونة معها والتي ترى لبنان بلدا غربيا، على حساب الأطراف التي لا ترى لبنان إلا بلدا عربيا، هدف آخر.
وذلك بإرهاب الطرف العروبي الذي يخوض صراعا في الشمال مع الطرف غير العروبي، وتأجيج الاقتتال بين المسلمين والمسيحيين، وبين المسلمين والمسلمين، بل وتغليب طرف مسيحي على طرف مسيحي آخر أيضا.. بالإضافة لتوجيه رسالة للقوات السورية التي طلبت السلطة الشرعية اللبنانية، والأحزاب والقوى المسيحية قبل الإسلامية، تدخلها لوقف الحرب الأهلية ولحماية لبنان من نفسه كشرط أساسي ليستطيع حماية نفسه من عدوه، إنها أيضا في قلب المعادلة اللبنانية.
وتصورت إسرائيل أنها استطاعت تحقيق أهدافها من هذا الغزو، باستقدام قوات الأمم المتحدة لتفرض على المقاومة البقاء بعيدا عن المناطق الجنوبية، وداعية قوات الغزو الإسرائيلي إلى الانسحاب، لكنها لم تنسحب إلا بعد شهور سلمت فيها المناطق الجنوبية التي احتلتها إلى ميليشيات «جيش لبنان الجنوبي» بقيادة العميل سعد حداد الذي أعلن «تمرده على السلطة الشرعية اللبنانية، وانفصل بالجنوب عن سيطرة الجيش الوطني معلنا ما أسمته إسرائيل دولة «لبنان الحر» !!
ولم يتغير هذا الوضع منذ عام 78، الذى غابت فيه سلطة الدولة والجيش الوطني عن جنوب لبنان، إلا يوم تحرير الجنوب وتحرير آلاف الأسرى اللبنانيين من المعتقلات والسجون الإسرائيلية، بالمقاومة الوطنية الإسلامية بقيادة حزب الله، وذلك بعد مقاومة عنيفة قدمت آلاف الشهداء والمصابين ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي وميليشياته العميلة، محققة أول انتصار عربي شعبي مقاوم على أقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط مدعومة بأقوى قوة عسكرية في العالم.
ودخل يوم التحرير التاريخي للجنوب اللبناني في الخامس والعشرين من مايو عام 2000 في ضمير الشعب العربي كله الذي يئس مما سمي «بعملية السلام» الفاشلة مع عدو لا يريد إلا العدوان.. والذي آلمه تراجع المشروع العربي الإسلامي الرسمي أمام المشروع الإسرائيلي الأميركي الصهيوني، والذي سئم لغة البيانات الفارغة المضمون والخالية من آليات الفعل الحقيقي.
.. أقول دخل هذا اليوم تاريخ كل العرب من المحيط إلى الخليج باعتباره يوم الفخار والانتصار. وكان سبق هذا اليوم الخالد فصل عدواني صهيوني أكبر إرهابا وأبعد مدى في العام 82، بينما ويا للغرابة والمرارة، ما تزال تتوالى فصول العدوان علينا في فلسطين وفي لبنان وفي العراق وفي السودان وفي الصومال.
وفي الوقت ذاته مازال الرسميون العرب مترددين وحائرين ومختلفين حول إجابة السؤال الذي مازال البحث عن إجابة له يحيرهم، بل ويشغلهم فعلا عن الفعل الحقيقي الموحد والشجاع. والسؤال هو.. ماذا يمكن للنظام الرسمى العربي، وللجيوش العربية، وللنفط العربي، وللمال العربي، وللحشد العربي، وللعقل العربي، وللغضب العربي أن يفعل في ظل غياب إرادة الفعل ؟!
amdoh77t@hotmail.com