يقول الشيخ صباح الأحمد ـ أمير الكويت ـ في نصيحة تاريخية ثمينة، في النطق السامي، أمام البرلمان صباح يوم الأربعاء 12 يوليو الجاري: «أوصيكم بأن تتذكروا دوماً أن الكويت إرادة شعب آمن بربه وقاسى شظف الحياة على رمال الصحراء وبين أمواج البحر، شعب شريف النفس، كريم الخلق، نظيف اليد، عفّ اللسان»،

وهذه الكلمات لم تأت من أحضان خيال خصب وإنما من متابعة جادة ودقيقة لما يدور من كلام وثرثرة وإسفاف غير مسبوق من مفردات وعنتريات فيها الكثير من معارك الوهم على طراز الرواية التاريخية «دونكشوت» التي يدخل فيها البطل في سلسلة من معارك مع طواحين الهواء دون مبرر للتوتر والتلويح بالاستشهاد.

ويقول الأمير في نفس النطق (لقد مضى كثير من الوقت الثمين في مساجلات وحوارات استنزفت من الجهود، وما كان ينبغي توجيهه إلى ما هو أكثر أهمية ونفعاً للمصلحة العامة حيث لم يعد لدينا من حسن استثمار الزمن وسرعة الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمل الجاد والتعاون المسؤول والإنجاز المتكامل الجميع فيه شركاء، غايتنا العمل على إضافة صفحات جديدة من المنجزات والمكتسبات في سجل مسيرة الكويت عبر تاريخها المجيد».

وليس الأمير وحده الذي انتابه الضجر والملل من الصراخ والعويل ورمي الاتهامات والتلويح بالتهديدات، وإنما كل واحد منا خاصة الذين شهدوا فصل الضيق والفقر والبؤس الذي تعايشت معه الكويت حتى الخمسينات، وكانت فيه الكويت جدية وانتاجاً وتضحية. والآن بعد أن تجاوزت الكويت معارك الأوهام، وهضمت مفردات التهديد والوعيد، ورمت خلفها التركة الصاخبة لحملات الانتخابات، يمكن أن نتصور ملامح الطريق المستقبلي في ضوء نتائج انتخابات رئاسة مجلس الأمة وما أفرزته من مداخلات تابعها أهل الخليج وغيرهم في ربوع الدنيا الواسعة:

أولاً: من الواضح أن صيغة النظام الدستوري الكويتي تعاني من نقص جوهري في هيكلته التي لا توفر التدوير الحزبي ولا تسمح بتداول السلطة وإنما يتعايش مع المساءلة والاستجوابات ويمكن أن يذهب إلى آخر المدى وهو عدم التعاون، وقد علمتنا التجارب أن حصيلة الاستجوابات تنتهي باستقالة أو بتدوير مع تركة ثقيلة من التوتر والمماحكات، وبالطبع فإن أغلب الاستجوابات لا يتوفر فيها الثراء في الاتهام والحجة وإنما هي إفرازات من الزعل والخصومات السياسية بسبب عدم تلبية لائحة الخدمات التي يسعى لها النائب.

وفي النهاية لا تتبدل الحكومات ولا يأتي التدوير، ولا يحدث تداول السلطة، هذا هو الواقع السياسي والدستوري الذي تعيشه الكويت، ولا بد أن يتكيف السلوك السياسي النيابي مع هذا الواقع الذي لن يتغير في المنظور المستقبلي الكويتي. ويتحمل رئيس مجلس الأمة مسؤولية سياسية ومعنوية ودستورية في التماثل مع واقع الكويت، في القيام بمسؤوليته في نزع الفتيل ومراعاة الموضوعية وإبعاد التوتر والحفاظ على المسيرة الديمقراطية، فالحل الدستوري للبرلمان ليس انجازاً لصالح الرئيس،

ولذلك أتمنى أن يقوم الرئيس جاسم الخرافي بالدور التاريخي السياسي الذي ينتظره، وأن يتحدث علنا إذا ما شعر بأن هناك توجهات لتدمير المسيرة ويعمل عل تجنيد الرأي العام الكويتي ويعبئ الموقف الشعبي حماية للمسيرة. ومن رصدنا لأداء الرئيس جاسم الخرافي نشعر بأنه يضع اللائحة الداخلية في المقام المرتفع على المقام المعنوي للرئاسة، ويتساهل في القيمة السياسية المضافة لكرسي الرئاسة في تصفية الجدل وفي القيام بدور الإطفائي السياسي الذي سبق للرئاسات الماضية في تاريخ الكويت أن خطته،

فالمنطق لا يقبل استسلام الرئيس لإملاءات اللائحة التي هي قواعد تنظيمية ليست لها سطوة المقام الذي سبق أن أشرت إليه في مقال سابق تمنيت فيه أن نستذكر دور المرحوم عبدالعزيز الصقر في حماية وقار المجلس في نزع الفتيل لأنه لم يخضع لجفاف اللائحة، وإنما اعتبرها قواعد لتنظيم المداولات وليست قيداً على دور الرئيس.

ثانياً: يتضح من القراءة الموضوعية من مداخلات رئيس الوزراء بأن هناك التفهم القوي من القيادة على التعاون لاسيما في اجتثاث آفة الفساد، حيث جاء التأكيد على التعاون بين السلطتين بما يتطلب الالتزام بثوابت العمل البرلماني وبما يحفظ للأدوات الرقابية هيبتها الوظيفية وجوهرها الدستوري لبلوغ مرحلة جديدة من التعاون لبناء العمل المشترك المسؤول تجنباً للأزمات واستهلاك الجهود في أمور غير ذات جدوى.

وفي هذا الاتجاه تتحمل الحكومة مسؤولية كبيرة في ضرورة التعاون مع البرنامج الذي ينوي النائب أحمد السعدون طرحه في محاربة الفساد، وأكده في مداخلته بعد إعلان نتيجة المنافسة على كرسي الرئاسة لصالح الخرافي، حيث وقف متعهداً بالاستمرار في فضح الفساد ومحاربته وإزالته، وأنا شخصياً أفضل النائب أحمد السعدون على الرئيس أحمد السعدون، وأرى في رئاسته لكتلة المعارضة ضماناً لاستمرار سيف مطاردة الفساد مسلولاً، وبالتأكيد فإن الكويت تكسب من توفيقية الخرافي في الرئاسة، ومن براعة السعدون في فنون المعارضة.

ونحن نؤيد برنامج السعدون في كشف المستور من الفساد، وعليه مسؤولية إشهار الدليل وعرض البيانات وتعرية المختبئ، لأن التكرار حول الفساد دون دليل يتحول إلى لائحة روتينية من التهم المكررة، وإذا كانت الكويت سرقت فيجب أن يعرف شعب الكويت هوية السارق ومحتوى سرقته وظروفها وموقعها ونتائجها.

وليس من المفيد لصورة الكويت ومكانتها خليجياً وعربياً ودولياً أن نكتفي بترديد الاتهام، وإنما المطلوب مواصلة العمل وأفضل آلية لمساعدة النائب أحمد السعدون هي تشكيل لجنة لمقاومة الفساد في مجلس الأمة يترأسها السعدون وتوضع أمامها جميع المستندات التي تمتلكها الحكومة عن القضايا التي يريد السعدون طرحها، بما في ذلك ما يقال عن مشروع مدينة الإعلام، والجزيرة، وحول الشمال، والمدينة الترفيهية، وغيرها،

وأن يتفاعل النائب أحمد السعدون مع الرأي العام في فضح وتخجيل عناصر الفساد وتعريتهم. ويقول النائب النشط مسلم البراك، كما جاء في صحيفة القبس في عددها يوم الخميس الثالث عشر من الشهر الجاري، بأن: «كتلة العمل الشعبي تسعى إلى أن تشكل في مجلس الأمة جبهة الإصلاح التي ينضوي تحت لوائها النواب المناهضون للفساد» مبيناً بأن الفساد في الكويت استشرى وأن جبهة الإصلاح المزمع إنشاؤها تستطيع أن توقف هذا المد الكبير من قضية الفساد والاعتداء على أملاك الدولة وعلى الأموال العامة، وهي قضايا عامة يجب أن يكون منها موقف واضح من قبل نواب مجلس الأمة.

ثالثاً: ندعم ظهور حركة الإصلاح المتابعة للفساد، وندعم أيضاً توسيع أعمال الجبهة من أجل أن تدرس دور مؤسسة مجلس الأمة في تفشي الفساد الإداري ودورها في إجهاض سيادة القانون، ودورها في إتلاف مأمورية إدارة الحكومة وأداء الوزارات التي تعاني الأمرين من تسلل النواب إليها من أبواب غير شرعية بحثاً عن خدمات، والتطاول على الساهرين على حماية القانون وممارسة الجولات في المخافر إلى حد أن وصل الضجر إلى ما لا يحتمل من سخافة المساعي ومن بلادة التوسط.

وأتمنى من كتلة العمل الشعبي أن تتقدم باقتراح أمام المجلس ينظم سلوكيات الأعضاء بحيث يحافظ الأعضاء على هيبة العضوية ويحترمون مقامها، ويبتعدون عن ممارسة الفساد الإداري الذي لم نكن نعرفه في الستينات وتسرب إلى الإدارة العامة بشكل أدى إلى تسريب الوثائق وخيانة الأمانة والتطاول على رموز سيادة الدولة.

عندما نتحدث عن الفساد نعني به الثقافة الفاسدة التي شجعت المتردد، وأدخلت الإحباط لدى النظيف وأمنت للمرتشي أجواء الحماية، ولا يسلم من توفير هذه الحماية بعض أعضاء المجلس الذين يرددون فضيلة التعفف وهم يرجمون القانون بالصخر. وأود أن أدعو إلى الاهتمام بدور الوساطات في التجنيس والمساعي حول البدون، لأنها قضية أمنية فيها مساس بالثوابت التي حافظت على صلابة الكويت، وأتمنى من كتلة العمل الشعبي إعطاء هذا الموضوع الأولوية في لائحة سلوك الأعضاء.

ونردد التأكيد على أهمية دور الرئيس جاسم الخرافي في تأمين سلامة المسيرة الديمقراطية ومتابعة تطورها ضمن المفهوم الواقعي للتجربة الكويتية، ومعرفة تامة بالصيغة التي يوفرها الدستور، ونردد أيضاً التأكيد على دور النائب أحمد السعدون في استعادة الصورة النظيفة والعفيفة لوجه الكويتوضرورة نجاحه في اجتثاث الفساد،

ونلح عليه في أهمية إشهار جبهة الإصلاح بحيث تدخل ضمن مسؤولياتها سلوكيات الأعضاء والتزامهم بوثيقة قواعد الانضباط والسلوك لعضو المجلس، وذلك ليس فقط لاسترجاع أملاك الدولة ومعالجة الخبطات في السرقة والأموال، وإنما أيضاً لترسيخ الوقار لمقام عضوية المجلس.

كاتب كويتي

Abdullah_bishara@yahoo.com