لم تأخذ ديمقراطيات العصور الغابرة العبيد في حسبانها. كانت ديمقراطيات بين «الأحرار» فقط. ولذلك تفسيره المادي. فبحكم تخلف القاعدة المادية التقنية لاقتصاد تلك النظم اعتبر العبيد قسماً، بل والقسم الأهم، من وسائل الإنتاج. وكل ما شُيد من بناء حضاري في ذلك الوقت قام على حساب أرواح الملايين من العبيد الذين اعتبروا بمثابة جزء من التكاليف لا أكثر.

التراكم البدائي لرأس المال هو الآخر قام لمصلحة شعوب على حساب شعوب أخرى واغتصاب خيراتها ومواردها بما في ذلك سرقة قسم من مواردها البشرية. فكم من العبيد سيقوا للعمل في البلدان الغازية التي أصبحت ديمقراطية حديثة فيما بعد. ولا تزال الولايات المتحدة الأميركية التي تشكل ديمقراطيتها نظاماً بالغ التطور، يقوم على انتقاص حقوق السكان الأصليين والملونين في داخلها وحقوق شعوب بأكملها في الخارج. وفي إسرائيل التي يقال إنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة يوفر تدمير الاقتصاد الفلسطيني عمالة فلسطينية رخيصة للعمل داخل إسرائيل دون أية حقوق.

ويبدو أن مشروع الشرق الأوسط الكبير ببنائه الاقتصادي وديمقراطية علاقات السوق، يقوم أيضاً على تدمير الشعوب وبناها التحتية وإشاعة الفوضى في المنطقة لكي يتم بناء النظام الشرق أوسطي القائم على اقتصاد السوق والديمقراطيات الجديدة التي تعني في نهاية المطاف إحكام السيطرة على موارد ومصائر هذه الشعوب.

شمعون بيريز، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق هو صاحب مشروع الشرق الأوسط في الأصل. وهو اليوم النائب الأول لرئيس الوزراء بعد أن بلغ 82 عاماً من العمر. وفي لقاء صحافي أجرته معه الصحافية الروسية يلينا سوبونينا بعد بدء العدوان الإسرائيلي الغاشم على لبنان الشقيق الأسبوع الماضي قال بصريح العبارة إن «أمام إسرائيل ثلاث مهام رئيسية..

علينا أن نكافح الإرهاب، ونتوصل إلى السلام، وأن نضع اتفاقيات السلام على قاعدة اقتصادية جدية. بدون مشاريع مشتركة في المجال الاقتصادي من الصعب تغيير هذه المنطقة». وشمعون بيريز يعرف أن في المنطقة دولاً غنية بالمال. ولذلك يقف ضد التمويل الخارجي للتنمية فيها. وهو يصف التمويلات الخارجية على أنها «انتزاع الأموال من فقراء الدول الغنية وإعطاؤها إلى أغنياء الدول الفقيرة».

وبالتالي فهو يعيدنا إلى أصل مشروعه الشرق أوسطي ببناء هذه المنطقة على أساس المال العربي والتطور التقني والعلمي ـ التكنولوجي الإسرائيلي. هذه العملية تهدف ـ فيما تهدف ـ إلى إضعاف صلات البلدان العربية المالية ـ التكنولوجية مع العالم، في مقابل تقوية هذه الصلات بين العرب وإسرائيل.

وتتراوح الطرق لتحقيق هذه الصلات من بناء جدار عازل بين الإسرائيليين والفلسطينيين بشكل مؤقت، إلى ما يتحدث عنه بيريز من دراسة مشروع دمج ميناءي العقبة الأردني وإيلات الإسرائيلي على شواطئ البحر الأحمر بهدف الاستخدام المشترك، إلى القيام بغزو، حيث يقتضي الأمر.

إيران طرف آخر في المنطقة وتتمتع بالميزتين معاً: التطور التقني والعلمي التكنولوجي والقدرات المالية الكبيرة. وتطمح لأن تلعب دوراً ريادياً في المنطقة، رغم تخلف بنائها السياسي الديمقراطي قياساً بإسرائيل. والصراع الاستراتيجي الذي تخوضه إيران، وتخوضه ضدها أميركا وإسرائيل، في العراق ولبنان وفي الخليج، والذي يقترب سريعاً من شكله العسكري، هو صراع في الأصل حول هذا الدور الريادي وقيادة «عرب المنطقة».

في خضم هذا الصراع يبقى طريق إسرائيل الأكثر اعتماداً إلى تحقيق هذه الاستراتيجية يمر عبر الحروب التي إن خسرت واحدة منها خسرت كل شيء. وهنا يقول بيريز في نفس المقابلة الصحافية: «ليس لإسرائيل الحق أن تخسر أي حرب. خسارة حرب ما بالنسبة لإسرائيل تعني خسارة الحياة».

إذن فهذه الحرب مخطط لها جيداً ولا تأتي كردة فعل على وقوع الجنديين الإسرائيليين في الأسر. بعد وقوعهما عقدت الحكومة الإسرائيلية مساء الأربعاء 12 يوليو اجتماعاً طارئاً وافقت فيه على العملية العسكرية ضد لبنان تحت اسم «الثمن المجزي» بإبعاد مقاتلي حزب الله عن الحدود الإسرائيلية وإجباره على إعادة الأسيرين والتهيئة لأن تبسط السلطة اللبنانية سيطرتها على جنوب البلاد.

حشدت على الفور قرابة 6 آلاف جندي على الحدود مع لبنان، وقامت باستدعاء الجنود الاحتياط، يشبه آخر استدعاء قامت به عام 2002 قبيل عملية «الجدار الواقي». وفي عملياتها العدوانية العسكرية دمرت ليس مواقع حزب الله فقط، بل معظم البنية التحتية اللبنانية. وفي أول يومين حصدت الاعتداءات أكثر من خمسين لبنانياً. وقد حاصرت السفن الحربية الإسرائيلية كل الموانئ والمدن الساحلية. وخلال يومين ضربت حول لبنان حصاراً بحرياً وجوياً محكماً.

ومنذ البدء رأى كثير من الخبراء أن العمليات العسكرية الإسرائيلية تجهز لاقتحام بري. ورغم أن كبير موظفي المعهد الإسرائيلي لمكافحة الإرهاب فيغيل يقول لجريدة النجم الأحمر الروسية إن نموذج عمليات الجيش الإسرائيلي هو نموذج حرب الأيام الستة كما حدث عام 1967، إلا أنه يخشى الآن من أنه «إذا ما طال وجودنا في جنوب لبنان، فقد نتمرغ في الوحل هناك».

لم يكن لإسرائيل أن تفعل ذلك لولا مباركة الرئيس الأميركي بوش الذي اعتبر هذه الحرب حقاً مشروعاً للدفاع عن النفس وأدان حزب الله ووعد بمواصلة التعاون مع إسرائيل. وكل ما نصح به إسرائيل هو «ألا تنسف الديمقراطية الوليدة في لبنان»! أية ديمقراطية ترجى للبنان الهش الذي لا يزال لم يتعاف من دمار حرب ربع القرن ليزج به في حرب جديدة؟

ألا يعكس هذا الموقف أزمة حقيقية في الأخلاق والقيم تعانيها الإدارة الأميركية الحالية التي تقود أكثر بلدان الرأسمالية العالمية تطوراً؟ أليس ما يجري هو تجسيد لنظرية «الفوضى الخلاقة» التي تعتمدها الولايات المتحدة مدخلاً لتغيير المنطقة؟ جميع دول العالم تتحرك بفاعلية إزاء ما يجري في لبنان والمنطقة، كل لاعتباراته الخاصة، إلا العرب. اجتماع وزراء الخارجية العرب بدا باهتاً جداً قبالة حجم الحدث. وإعلان فشل عملية السلام لا يعني بالنسبة للوضع شيئاً.

كما أن مطالبة مجلس الأمن بالنظر في العدوان الإسرائيلي على لبنان غير ذي معنى بعد أن حاصرت أميركا مشروع القرار حول غزة. هل بإمكان الدول العربية أن تتخذ إجراءات أكثر فاعلية تمس العلاقات مع إسرائيل أو التلويح باستخدام سلاح النفط الذي يشكل أداة ضغط ما بعدها أداة في هذه المرحلة حيث يتضور العالم جوعاً للنفط؟ .

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com