هل وصل العجز الدولي ـ أو بالأحرى النفاق الدولي ـ إلى درجة عدم المبالاة بانتهاك إسرائيل للشرعية الدولية وتجاهل المجازر وجرائم الحرب اليومية التي ترتكبها في لبنان وفلسطين المغتصبة؟

أمر مخجل بل وعار على المجتمع الدولي الذي يفترض أنه راع وحارس للقوانين الإنسانية والمواثيق الدولية، أن تتبارى أطرافه الرئيسية من الدول الكبرى في تبرير العدوان الإسرائيلي الإجرامي على لبنان.

وخرج علينا الكبار الأثرياء من خلال ما تسمى بمجموعة «الثماني» الصناعية الكبرى ببيان أثلج صدر الإسرائيليين وتجنى على الحقيقة. إذ طالب زعماء القمة حزب الله بإطلاق سراح الجنديين الإسرائيليين وأن يوقف فورا هجماته على إسرائيل وكل ما طلبه السادة الكبار الأثرياء - الذين يتفاخرون بأنهم قادة المجتمع الدولي - من إسرائيل هو «أن تتحلى بأكبر قدر من ضبط النفس»!!

وليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل أيد بيان مجموعة «الثماني» حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. وكأنه يسير على الدرب الأميركي الذي أطلق الضوء الأخضر لحكومة أولمرت لتفعل بلبنان أو غزة ما يحلو لها من جرائم. وبشرتنا الولايات المتحدة بموقف المجتمع الدولي الذي يمثله «الكبار» عندما قالت علنا على لسان وكيل الخارجية الأميركية نيكولاس بيرنز إن زعماء العالم لن يملوا على إسرائيل شروطا لإنهاء حملتها في لبنان، لأن الأمر على حد تعبيره، قرار سيادي يتعلق بإسرائيل!

عار على هؤلاء الكبار أن ينفض اجتماعهم في سان بطرسبرغ، دون أن يدافعوا عن الشرعية الدولية. لقد خلا بيان «الكبار» من كلمة واحدة ولو مجرد لوم أو عتاب على ما ترتكبه إسرائيل الآن من مجازر ضد المدنيين في لبنان. ولعل هذا ما أزعج أحد كبار الدبلوماسيين العرب وهو وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط الذي اضطر بحكم موقعه إلى أن يستخدم لغة دبلوماسية لوصف البيان، قائلا إنه يتسم بعدم الحزم .

وكان طبيعيا، أن تطير إسرائيل فرحا ببيان «الثماني» وترحب به بحرارة بالغة وتقول من خلال وزيرة خارجيتها تسيبي ليفني إن الموقف الإسرائيلي جزء من الموقف الدولي الداعي إلى إطلاق سراح الجنود الإسرائيليين الأسرى.

ولأننا في زمن النفاق الدولي القائم على المعايير المزدوجة وسياسة الكيل بمكيالين، فما يهم المجتمع الدولي الآن هو تطبيق القرار رقم 1559 الصادر من مجلس الأمن في سبتمبر 2004 والمتعلق بلبنان. وإسرائيل - المنتهك الأكبر لقرارات الأمم المتحدة على مدى ستة عقود تقريبا- متحمسة للغاية لتنفيذ القرار، بل بات تطبيقه واحدا من أهم شروطها لوقف عدوانها الإجرامي على لبنان، وكأنها حريصة على تطبيق الشرعية الدولية.

نسي المجتمع الدولي كل ترسانة القرارات الدولية التي تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وعلى رأسها القراران 242 و338 ، وانشغل بالقرار 1559، وكأنه بتطبيقه سيسود الأمن والسلام ربوع الشرق الأوسط الموبوء بإسرائيل. مع العلم أن في القرار ما يدعو إلى انسحاب كل ما تبقى من القوات الأجنبية من لبنان.

وبالفعل انسحبت سوريا الشقيقة من هناك، ولكن تشبثت إسرائيل بمزارع شبعا والتلال الثلاث الأخرى في محيطها. وبالتأكيد لو كانت إسرائيل انسحبت من شبعا، ما كانت الأمور ستصل إلى ما وصلت إليه الآن.

الأحرى بإسرائيل، أن تلتزم أولا بسحب ما تبقى لها من قوات في مزارع شبعا، بل وتلتزم بالشرعية الدولية التي أجمع عقلاء العالم من خبراء ومحللين بأن غيابها في الشرق الأوسط هو سبب ما يحل به من خراب ودمار وقتل.