قبل أسابيع قليلة، وربما بعد ساعات من بداية نسخة أخرى مملة ومكررة من حلقات إرهاب الأمة العربية والإسلامية وامتهان كرامتها وتمريغ أنفها بالتراب على مسرح الأرض الفلسطينية، تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية.. وعلى رقصة الانتقام المليئة بمشاهد الدم والموت التي أحيت طقوسها الطائرات الصهيونية..
وفي غمرة الغطرسة والحقد الدفين الذي لمعت به عينا إيهود أولمرت المتعطش للدم والرماد وهو يتوعد أحفاد إسماعيل الذبيح عليه السلام بالويل والجحيم اللذين سيصبهما على رؤوسهم هو وجنوده المدججون بأحدث ما أنتجته آلة السلاح الأميركية والأوروبية، بلا أدنى مواربة أو احترام أو اكتراث لا باتفاقيات أوسلو، ولا بمواثيق المنظمات الدولية التي أثبتت مرة أخرى أنها ليست أكثر من حذاء تنتعله المؤسسة الإسرائيلية في طريقها إلى تحقيق أطماع الصهيونية العالمية.
في هذه الأجواء المشحونة بالغضب الإسرائيلي الأعمى على الجرأة العربية «بأسر» جندي إسرائيلي واحد فقط لا غير، كانت رائحة الهوان العربي تملأ المساحة، حتى إن إحدى صحفنا المحلية لم تملك إلا أن تطلق صرخة باكية ملؤها الألم واليأس ومرارة الهزيمة، فاجترت السؤال القديم الجديد.. أما آن لهذا الذل من نهاية؟
وهذا هو الحال العربي منذ عدة عقود مضت، فالعرب لا يملكون من ردود الأفعال إلا طرح الأسئلة بينما يولون هاربين من واقعهم نحو التيه معصوبي الأعين والعقول، وهم في هروبهم لا يسأمون من انتظار المنقذ الذي سيأتي ذات يوم من أيام القرون الآتية من عوالم الغيب، حتى ينتشلهم من مستنقع أزمتهم، إلى صباحات النصر.. وذرى العزة والمجد. وهكذا سيستمر الحال على ما يبدو، لا حول للعرب ولا قوة مع كل نكبة أو مأساة تحيق بهم، إلا بطرح الأسئلة، ولعن الظلام الذي ألقوا بأنفسهم في لجته بملء إرادتهم، وانتظار المنقذ الغائب.
وتلك هي المحصلة التي تسبق مرحلة الانهيار أو التلاشي، وهي محصلة متولدة عن هشاشة الثوابت عند الإنسان العربي، ومن انحراف المفاهيم التي يكونها، ومن فساد التصورات والقيم المبنية على تلك المفاهيم، والتي شوهت سلوكه وأفعاله بالتالي. إنها محصلة تركبت تركيبا جدليا عبر تراكمات تاريخية من الظروف والتأثيرات والمواقف السياسية والاجتماعية والاقتصادية - لا يتسع المقام لها.
ولكني أزعم أنها لم تدرس دراسة منهجية وموضوعية إلى الآن ـ كانت أشبه بمعاول عملت على إعادة صياغة السلوك التفكيري عند الإنسان العربي كفرد وكجماعة، وانتهت إلى تشويه ذلك السلوك أو انحرافه، فما كان ثوابت ومسلمات وقضايا مصيرية ذات يوم.. أصبح اليوم - في ميزان التفكير العربي - لا يتسق مع منطق الصراع المعاصر واتجاهاته ومحدداته.
ولهذا تجد الإنسان العربي إما متناقضا، فبينما كان يرى في الوحدة العربية حلما يعيش من أجله.. فإنه اليوم يراها إرثا ثقيلا ينبغي عليه إلقاءه وراء ظهره واستبداله بتقسيم الوطن الواحد جغرافيا على أسس عرقية أو طائفية أو مذهبية بل والاقتتال حتى مع الأشقاء من أجل ذلك التقسيم.
أو تجد العربي مزدوج المعايير، فالعقلانية والواقعية وأخلاقيات الخلاف أدوات يتعامل بها مع مواقف النزاع حين يكون أطرافه من «الأصدقاء» فقط، أما حين يكون طرف الخلاف أخا عربيا كان فيما مضى ينصره ظالما أو مظلوما، فليس له إلا العين الحمراء وانتزاع ما يمكن انتزاعه بحق أو بغير حق. وإما تجده فاقدا الذاكرة، فمفهوم الأعداء الإمبرياليين والمستعمرين..
حل محله مفهوم الأصدقاءالديمقراطيين «المتعولمين» الحريصين كل الحرص على إسعادنا.. ويمكننا ائتمانهم على أموالنا وأرواحنا (رغم قرارات التجميد «السرقة والنهب» التي لا تعد ولا تحصى)، أو ربما وجدت العربي لا مباليا، حتى أنه لا يفرق بين مشهد أشجار الزيتون التي يقتلعها اليهود في بساتين الفلسطينيين.. ومشهد أشجار اقتلعها إعصار في غابة استوائية.
هذه التشوهات في السلوك التفكيري، جعلت الصف العربي صفا غير متجانس، وغير متواطئ على مستقبله، وهو صف.. الغلبة فيه إلى الآن لأصحاب الأهواء والمصالح والطوابير الخامسة، ولذلك تجد الإنسان العربي يستمتع بمتابعة الأخبار الاقتصادية وربما الرياضية أو الفنية التي تهمه شخصيا، أكثر مما يكلف نفسه عناء متابعة الأحداث والمخاطر التي تحيق بالأمة.
وإذا تابعها فإنه لا يتفاعل معها، وإذا تفاعل فإن تفاعله يأتي محكوما بمعايير ومقاييس السلوك التفكيري المشوه، فقد يتابع مشاهد القتل والتدمير التي يتعرض لها إخوانه في الصباح، وفي المساء يذهب لشراء بضاعة أميركية أو لمشاهدة فيلم سينمائي من الأفلام التي يتحكم اليهود في صناعتها، ولا يدور بخاطره أبدا أن الثمن الذي دفعه سيذهب إلى جيوب اليهود ليتحول إلى رصاصة ستردي عربيا قتيلا بعد بضعة أيام.
خذ على ذلك مثلا الصحيفة التي أطلقت صرخة الألم واليأس ومرارة الهزيمة، ونعت للأمة كرامتها وعزتها - وهذا شأن كل الصحف العربية بل وشأن الإعلام كله على امتداد رقعة الوطن العربي والإسلامي باعتباره ضمير الأمة الناطق - هذه الصحيفة قد دأبت يوميا وعبر صفحاتها وصفحات ملاحقها على نشر حكايات المغنيات والممثلات و«®®®.» وحياتهن الشخصية، وأخبار الرياضيين، وأنصاف حقائق الأحداث السياسية وربما أكاذيبها، والإعلانات التجارية التي تغرق الناس في رذيلة الاستهلاك..
أكثر بآلاف المرات عما تنشره عن هموم الأمة، وتوعيتها بحقائق الأحداث التي تدور من حولها، أو بالمخاطر والتحديات التي تحيق بها، والارتقاء بمستوى نتاجها العلمي والاقتصادي، وتصحح تصوراتهم للعلم والإنتاج ولقيمة الثروة والوقت، أو على الأقل أن تتوقف هي وبعض الفضائيات العربية عن بث سمومها وغثائها عشية الحدث الدامي.. لا أن تدأب بلا كلل ولا ملل في توجه مبرمج لتخدير العقول والمشاعر والضمائر العربية المسلمة، ثم تبكي نكباتهم ومآسيهم بدموع التماسيح.
أما على المستوى السياسي.. فأمر بعض العرب كله عجب، وهم بين حل وترحال إلى مضارب «الأصدقاء» في الغرب والشرق، تحدوهم الآمال والأوهام في الحصول على تأييد سياسي، أو عتاد عسكري يستردون به أرضهم المقدسة السليبة من أعدائهم اليهود والصهاينة، أو هكذا يوهمون السذج، وكأنهم لا يدركون أن أولئك «الأصدقاء» هم الذين يمدون الأعداء بالسلاح الذي يصوب إلى صدورنا.
وبالمال الذي يتفوقون به علينا اقتصاديا، وبالتقنية التي ترفع من مستواهم العلمي، وبالدعم السياسي في المواقف المعلنة وغير المعلنة لكي يحاط بنا من كل جانب، وبتأييدهم أيديولوجيا بالإقرار على رؤوس الأشهاد بالانتماء إليهم عقائديا، وبأن أورشليم ستبقى لليهود إلى يوم القيامة، ثم يضطرك إلى الضحك من العرب من يضع كل بيضه في سلتهم، ويدعي سذاجة أو استخفافا بعقول الناس من يزعم أن «الأرض» لن تسترد.. وأن الفلسطينيين لن يعودوا إلى بيوتهم وبساتينهم إلا بدعم أولئك الأصدقاء، وأن «نظرية المؤامرة» ليست إلا خرافة أو أوهاما من نسج الخيال العربي المريض.
ورغم إيمان غالبية الشعوب العربية بأن الإسلام هو الذي يملك الحلول، وأنه الملاذ الأخير.. وآخر المعاقل وآخر الأسوار.. والهوية التي «ينتمي إليها» أكثر من تسعة أعشار العرب، إلا أنه لم يسلم من انحرافات السلوك التفكيري العربي وهم ليسوا في أمره سواء.. ففريق متمسك به، إلا أنه تمسك أشبه ما يكون بالانتماء السياسي، لأنه من الجانب الآخر مفرط في التمسك بثوابت الإسلام.. ويرى أن دوره لا يتجاوز أبواب المساجد، أما أوجه الحياة الأخرى فشرائع الغير عند البعض أفضل من شريعته، وأن القرآن ليس دستور حياة بقدر ما هو كتاب مقدس.
وأما الفريق الثاني فمستمسك بالإسلام.. ولكنه استمساك يدور في دائرة الرهبنة و«الدروشة» وانتظار صنائع القدر، وكأن الإسلام قد تضاءل في أفهامهم حتى صار صلاة وصياما ولحية معفاة ولا شيء أكثر من ذلك، وبدلا من مواكبة مستجدات عصرهم ونوازله (كما هو شأن أسلافهم) عاشوا أوهام عودة الزمن بعقاربه إلى الوراء، ولزموا قوقعتهم هذه دون أن يخرجوا إلى الدنيا بحلول أو تطبيقات إسلامية لمشكلات البشرية ومستجدات الحياة، وكأنهم يعتنقون إسلاما غير الإسلام الذي خرج من أسوار المدينة المنورة بالحضارة والمجد، وتناسى الفريقان كلاهما أن مكمن تأثير الإسلام في الجهاد..
وأنه جهاد دنيوي كما هو أخروي، وأنه جهاد بالعلم والعمل المنتج.. وبتسخير الجهد والثروة والوقت لعمارة الأرض على منهاج النبوة الكريمة.. لكي يضع الإسلام بأيديهم نهاية الذل العربي، ويرفعون رايات نصرهم وعزتهم، عندما يؤوبون إليه.. ويفقهونه، وعندما يتوقفون عن دفع ثمن الرصاص الذي يّقتلون به.
كاتب إماراتي