ما قامت وما تقوم به إسرائيل في الأراضي المحتلة، وخصوصاً في قطاع غزة، يتعدّى حدود الاعتداء، الذي يستهدف تحقيق أهداف تكتيكية معينة، مثل الإفراج عن الجندي الأسير، أو وضع حدٍ لعمليات القصف الصاروخي للمناطق الإسرائيلية المتاخمة للقطاع، أو توجيه ضربة للبنى التحتية لمنظمات المقاومة، فما تقوم به إسرائيل هو حرب بمعنى الكلمة، فهذا هو التوصيف الحقيقي للوضع القائم.

وما ينبغي إدراكه هنا، هو أن هذه الحرب، بحجم العتاد المرصود لها، وقوَة ضرباتها، ونوعية أهدافها، إنما تستهدف تحقيق أهداف سياسية استراتيجية، وإحداث تغيير سياسي طويل الأمد في علاقاتها بالفلسطينيين، بما يخدم مصلحة إسرائيل في تعزيز أمنها ووجودها، وتهشيم الوجود الفلسطيني أو تهميشه.

ثمة أهداف سياسية استراتيجية مباشرة وغير مباشرة تتوخّى إسرائيل تحقيقها في هذه الحرب، المدمرة وغير المتكافئة التي تشنّها ضد الفلسطينيين، ففي الأهداف المباشرة، تتوخّى إسرائيل تحقيق الأهداف التالية:

1 ـ عزل حكومة حماس، وشلّها، في محاولة لإفشالها أو إسقاطها، ما يذكر بتجربة عزل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مقره برام الله، منذ العام 2002.

وتجرّب إسرائيل إحداث نوع من الضغط الخارجي والداخلي عبر الضغط العسكري، وعبر تصعيب حياة الفلسطينيين، لتأليبهم على الحكومة، أو ربما لدفع حركة حماس لمغادرة الحكومة. ولكن إسرائيل في ولوجها طريق القوة تولّد ردود فعل معاكسة، ذلك أن هذه الحرب انتشلت الفلسطينيين من خلافاتهم، وعزّزت وحدتهم، وضمن ذلك دفاعهم عن الحكومة.

2 ـ توجيه ضربة قاصمة للبنية التحتية لمنظمات المقاومة، وإيجاد نوع من منطقة أمنية واسعة تحول دون تعرضها مستقبلا لقصف الصواريخ محلية الصنع. وفي هذا الهدف فإن إسرائيل تكون كمن يستدرج للعودة للاحتلال، وإلى السقوط في «مستنقع» غزة، وهي التي طالما عملت للتخلص من عبء قطاع غزة الديمغرافي والسياسي والأمني والأخلاقي.

3ـ حرمان الفلسطينيين من ميزة التوافق والتعاضد، لاسيما بعد تجاوزهم عتبة الخلافات وبعد توصل الأطراف المعنية إلى تفاهمات معينة بشأن وثيقة الأسرى (الوفاق الوطني)، التي تعيد الاعتبار للفلسطينيين وتعزز من أهليتهم للتعامل في إطار المسار السياسي، ما يقطع الطريق على خطة اولمرت الأحادية.

4 ـ ترميم هيبة الجيش الإسرائيلي، واستعادة زمام المبادرة في الردع إزاء الفلسطينيين. وكانت العملية الفدائية التي جرت مؤخّرا قرب قطاع غزة المحاصر حققت نجاحاً كبيراً بالمقاييس العسكرية.

أما الأهداف السياسية الاستراتيجية بعيدة المدى التي تتوخّى إسرائيل تحقيقها في هذه الحرب، فهي تتمثل بالجوانب التالية:

1 ـ كسر إرادة الفلسطينيين، من خلال إرهابهم وتصعيب عيشهم، عبر التأكيد لهم بأن ثمة ثمناً باهظاً جدا، يمكن أن يدفعوه جراء عملياتهم ضدها. وهذا هو مغزى تعمّد إسرائيل، هذه المرة، توجيه ضربة قاصمة للبنى التحتية في قطاع غزة، وتحديدا مصادر الكهرباء والماء والجسور والطرق، وقطع إمدادات المحروقات والمواد التموينية، وتقطيع أوصال القطاع، وإغلاق معابره. والمعنى أن إسرائيل تريد أن تجعل من تردي الوضع في غزة أمثولة مستقبلية لمناطق الضفة، التي يمكن أن تنسحب منها.

2 ـ إبقاء الصراع مع الفلسطينيين في المربع الأمني، لتبرير التملص من عملية التسوية بدعوى أنه ليس ثمة شريك فلسطيني للتسوية، وأن الفلسطينيين غير مؤهلين لإدارة أوضاعهم، وأن مشكلة هؤلاء لا تنبع من الاحتلال!

3 ـ إيجاد المناخات المناسبة عند الإسرائيليين والفلسطينيين وعلى الصعيدين الدولي والإقليمي، لفرض الحل الأحادي (الانطواء) الذي يتضمن فرض وقائع جديدة في الأراضي المحتلة تتيح لإسرائيل تحديد حدودها، وفرض تسوية طويلة المدى، برضا الفلسطينيين أو رغما عنهم! وذلك من خلال التالي:

أولاً ـ من جهة الفلسطينيين، فإن إسرائيل تحاول، عبر هذه الحرب، تمهيد الطريق للانفصال عنهم وهي في ذروة بطشها بهم، بحيث لا يبدو الانفصال أو الانسحاب من بعض مناطق الضفة مستقبلا هزيمة لها على غرار ما جرى في تجربة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان 2000، ومن قطاع غزة (2005).

فمنذ انسحابها الأحادي من القطاع مثلا لم تستطع إسرائيل أن تهضم مشاعر النصر عند الفلسطينيين الذين تعاملوا مع هذا الانسحاب بوصفه هزيمة لها. وفيما بعد شكّل فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي وقيامها بتشكيل الحكومة صفعة كبيرة لإسرائيل جعلتها تستخدم كل ما في وسعها للتضييق على هذه الحكومة وعزلها والتشويش عليها تمهيدا لإسقاطها.

وما عزز من هذا التوجه الواقع المتشكل في قطاع غزة الذي بات يعتبر بمثابة منصّة لإطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية المجاورة، ومحاولة حماس إيجاد مزاوجة بين موقعها الرسمي في الحكومة ومكانتها كحركة مقاومة. هكذا فإن هذه الحرب تتوخّى، مرة أخرى، كسر إرادة الفلسطينيين وإفهامهم بأن الانفصال عنهم أو التخلص من عبئهم لا يشكل تنازلا لهم أو هزيمة أمامهم وأن أية محاولة منهم للتجرّؤ على إسرائيل، بعد انفصالها عنهم، سيكون لها ثمن باهظ.

ثانياً ـ على الصعيد الإسرائيلي، يريد ايهود أولمرت، زعيم حزب كاديما، ورئيس الحكومة، من هذه الحرب، تمرير خطة الانسحاب الأحادي عبر استدراج الأحزاب المؤتلفة معه في الحكومة (العمل والمتقاعدين)، وإسكات المعارضين في معسكر اليمين المتطرف، القومي والديني، وكسب أوسع قطاعات من المجتمع الإسرائيلي لصالح خطته باعتبار أنه يعمل جديا على جلب الأمن للإسرائيليين، وتعزيز الطابع اليهودي للدولة الإسرائيلية وتحسين صورتها دوليا.

ثالثاً ـ على الصعيد الخارجي فإن أولمرت، يتوخّى في هذه المناخات الحربية ترويج خطة الانطواء، باعتبارها اللعبة الوحيدة الموجودة بعد أن ووجهت بتحفظات في واشنطن ولندن، ولدى اللجنة الرباعية المعنية بـ«خريطة الطريق»، بدعوى أنه لا يوجد شريك للتسوية، وأن على إسرائيل التحرك لوحدها لتحديد حدودها والدفاع عن أمنها وفرض التسوية من طرف واحد بحسب مصالحها ورؤاها، وإلى أمد بعيد، إلى حين نضوج الظروف التي تتيح استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين.

ربما بعد عشرة أعوام، بعد أن يكون الزمن فعل فعله على كافة المستويات. أيضا، وعلى الصعيد الخارجي، فإن إسرائيل تتوخّى من هذه الحرب إحداث تغييرات في السياسة الخارجية الأميركية بحيث تصبح أكثر ملاءمة لها، وبخاصة في ما يتعلق بادعاء الإدارة الأميركية، جعل التحول الديمقراطي في المنطقة العربية أولوية لها، وذلك بالنظر للعوائد السلبية الناجمة عن هذه السياسة، من وجهة النظر الإسرائيلية، والتي يمكن أن تأتي إلى الحكم بتيارات معادية لإسرائيل.

كاتب فلسطيني