ان المرحلة الحالية قد تكون آخر فرصة لإسرائيل لتحقيق السلام والحصول على تنازلات تاريخية فلسطينية. قد يظن البعض أن الحملات العسكرية الإسرائيلية الوحشية، وعمليات ارتكاب المجازر بحق الأبرياء في لبنان وفلسطين، والتأييد الأميركي الأعمى للسياسة الإسرائيلية تتنافى مع النتائج التي توصلت إليها في ذلك المقال.

لكنني اعتقد أن ما تقوم به حكومة إسرائيل اليوم على الساحتين الفلسطينية واللبنانية يعزز ما توصلت إليه في السابق، وذلك لأنه يجعل الكراهية الشعبية لأميركا وإسرائيل شاملة، والرفض الشعبي للإملاءات الأميركية-الإسرائيلية كاملا، ويقوي في الوقت ذاته التوجهات نحو التطرف. ولذا، سأحاول في المقالات التالية تحليل الوضع الراهن، ورسم صورة للتوقعات المستقبلية المحتملة بناء على ما يجري اليوم من أحداث وتطورات متسارعة.

جاءت جرائم شارون المتواصلة على الشعب الفلسطيني من ناحية، والسكوت الدولي على تلك الجرائم من ناحية ثانية، وبعض المواقف العربية الرسمية من ناحية أخرى، ليعطي إشارات تدل على أن إسرائيل كانت في طريقها إلى فرض هيمنتها على المنطقة العربية بكاملها.

ولقد اتجه رئيس وزراء إسرائيل السابق، والذي يرقد منذ شهور في فراش الموت، إلى العمل على تمتين الجبهة الداخلية الإسرائيلية وتوضيح سياسة إسرائيل الإقليمية، وذلك من خلال طرح خطة إسرائيلية للانسحاب من قطاع غزة، وتحديد حدود دائمة لدولة إسرائيل من جانب واحد، وهي الدولة التي بقيت، ومنذ يوم ميلادها غير الشرعي في عام 1948، دون حدود معترف بها دوليا.

وفي سياق تنفيذ الخطة الإسرائيلية، والتي استهدفت التوسع على حساب الأراضي الفلسطينية التي احتلتها الدولة اليهودية في العام 1967، قام شارون بالادعاء بأنه لا يوجد شريك فلسطيني قادر على التفاوض، ويمكن التوصل معه لحل سياسي يعيد السلام والاستقرار للمنطقة. كما قامت الأطراف الغربية الداعمة علنا، أو ضمنا، أو جهلا لسياسة إسرائيل وخططها التوسعية، بالتحرك نحو عزل إيران، ومحاصرة سوريا، وضرب المقاومة الفلسطينية بقسوة.

وتضييق الخناق على حزب الله والعمل على نزع سلاحه، مقدمة لضربه وتصفيته. لكن حسابات شارون ومن تبعه في الحكم من ساسة الدولة الصهيونية من جهة، والأحلام والتخيلات العبثية لصناع القرار السياسي في واشنطن الذين دأبوا على السير في ركاب إسرائيل وتأييد جرائمها من جهة ثانية، باءت بالفشل.

لقد تضافرت عدة عوامل رئيسية على إفشال الخطة الإسرائيلية، وتبديد الأوهام الأميركية. ولقد كان في مقدمة تلك العوامل:

1 ـ انتخاب أحمدي نجاد رئيسا للجمهورية الإيرانية، وإصراره على امتلاك التكنولوجيا النووية ورفض شرعية الكيان الصهيوني.

2 ـ فشل قوى الاحتلال الأميركية في بسط سيطرتها على الأمور في العراق، وتصاعد حدة المقاومة الوطنية والكراهية الشعبية للوجود الأميركي على الأرض العراقية.

3 ـ انتخاب حماس من خلال عملية انتخابية شرعية لتسلم مقاليد الحكم في المناطق الفلسطينية التي تقع نظريا تحت سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية.

4 ـ عجز الحكومة اللبنانية والقوى الدولية المؤيدة لقرار 1559 عن تطبيق ذلك القرار، والذي ينص، بين أشياء أخرى، على نزع سلاح حزب الله في لبنان.

5 ـ استمرار النظام السوري في نهجه السابق بالرغم من تراجع نفوذه على الساحة اللبنانية، واضطراره للتقوقع داخل أراضيه.

6 ـ تصاعد كراهية الجماهير العربية والإسلامية للسياسة الأميركية، والتي أدت إلى تقويض النفوذ الأميركي في الشارع العربي، وانهيار مصداقية الإدارة الأميركية، وإضعاف شرعية كثير من أنظمة الحكم العربية المتحالفة مع أميركا بوجه عام.

جاء انتخاب أحمدي نجاد في إيران مفاجأة كبيرة لكل القوى الرسمية والأكاديمية في مختلف الدول المعنية بإيران وقضايا الشرق الأوسط. إذ كانت كل التحليلات السياسية والأكاديمية وقراءات الإعلام الغربي تتوقع فوز الرئيس الإيراني الأسبق علي هاشمي رافسنجاني في الانتخابات. ويعكس الفشل الأميركي والأوروبي في توقع نجاح نجاد إلى فشل الدوائر الغربية عامة في رصد تحولات الرأي العام في إيران، وإخفاقها في تحليل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الساحة الإيرانية.

إن أكثر من 25 عاما من التثقيف السياسي في ظل نظام عقائدي واحد يستمد شرعيته من الدين، وسيطرة ثقافة دينية محافظة على مختلف نواحي الحياة، وعجز نظام الحكم في إيران عن تحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وارتفاع أعداد ونسب الفقراء باطراد، التقت معا لتحريك الشارع الإيراني في اتجاه التمسك بالعقيدة المهيمنة على الحكم والمجتمع من ناحية، ودعم مرشح «الفقراء» وإيصاله إلى سدة الحكم بطريقة شرعية وبأغلبية مريحة من ناحية ثانية.

إلى جانب ذلك، كان للفشل الأميركي الذريع في العراق، من النواحي العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية، دور كبير في زيادة النفوذ الإيراني على الساحة العراقية، ومنح إيران فرصة جديدة لتكون القوة الإقليمية الأهم في المنطقة.

وليس هناك من شك في أن تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد المعادية للصهيونية والرافضة للوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين قد دفعت الشارع الإسلامي عامة والشارع العربي خاصة إلى التعاطف مع النظام الإيراني في إصراره على امتلاك التكنولوجيا النووية، وذلك خلافا لمواقف ورغبات كثير من أنظمة الحكم العربية.

ولما كان حزب الله هو أهم قوى المقاومة العربية المناوئة للنفوذ الأميركي والرافضة للوجود الصهيوني، فإن استمرار دعم إيران لحزب الله كان سببا في تعزيز تعاطف الشعوب العربية مع المواقف والتوجهات الإيرانية.

وفي ضوء ما تؤمن به القيادة الإيرانية، وما تتبناه قيادة حزب الله من استراتيجية وتكتيك وعقيدة، فإن الانتصار العربي الشعبي لكلا الطرفين من شأنه أن يساهم في زيادة الإقبال على الانخراط في منظمات تتبنى وجهة نظر إيران فيما يتعلق بأميركا وإسرائيل، وتتبع أساليب عمل حزب الله في المقاومة، وبالتالي غرس طريق إسرائيل نحو التطبيع بالقنابل البشرية، وملء طريق أميركا نحو الهيمنة بالعداء والكراهية.

أكاديمي أميركي من أصل عربي

proffesorrabie@yahoo.com