لا شيء ينتمي إلى عالم الصدفة في التطورات السريعة والمتتابعة التي شهدتها المنطقة، أخيراً، وعلى الرغم من أن البعض قد يفضل تصور أن المنطقة بإزاء صيف غضب آخر يشكل تكراراً لتصاعدات فرضت نفسها في أعوام سابقة على المنطقة، إلا أن التساؤل الكبير حقاً هو: هل الأمر كذلك بالفعل؟ هل نحن بإزاء تصاعد أفلت من التحكم ليتحول إلى صيف جهنمي؟

هل الأحداث مرشحة لمزيد من التصاعد واتساع نطاق تداعياتها؟ هل تبادر إسرائيل إلى توسيع نطاق الجحيم الذي فرضته على لبنان ليطال ـ ولو جزئياً ـ النظام السوري الأوسع؟ الأسئلة المؤرقة تمتد بلا انتهاء تقريباً، لكن الحقيقة الأساسية التي ينبغي أن تشكل المنطلق الصحيح لأي محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة هي أنه ما من شيء جاء بمحض الصدفة، وما نحن بصدده ليس مجرد صيف غضب آخر.

بداية، لابد من الانتباه إلى أن التصعيد الإسرائيلي باتجاه لبنان وصولاً إلى قصف مطار بيروت والطريق الرئيسي بين سوريا ولبنان وصولا إلى قصف مناطق في شمال لبنان بدأ الاستعداد له، بحسب تقديرات مراقبين مطلعين على تطورات المنطقة، منذ شهرين أو أكثر، وبالتالي فإن المخططين الإسرائيليين فيما كانوا يتابعون تطورات غزة كانت خرائط لبنان هي التي تحتل موقع الصدارة على مكاتبهم.

لابد من التوقف طويلاً كذلك عند ردود الأفعال الدولية على ما جرى في لبنان، فإدارة بوش اكتفت على لسانه بالقول إن إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها، وكأن كل هذا العدوان الإسرائيلي الوحشي على لبنان هو محض «دفاع» من جانب إسرائيل عن نفسها، وهكذا فإن واشنطن لم تكلف نفسها عناء ممارسة أي ضغوط على إسرائيل لوقف عدوانها على لبنان.

ولكن ماذا عن مجلس الأمن؟ إن الذين اعتادوا اعتماد آلية اللجوء صارخين إلى مجلس الأمن مع كل تطور إقليمي عليهم أن يتابعوا رؤية المجلس وموقفه مما جرى في لبنان مؤخراً وان يستخلصوا الدروس.

والكثير من الدروس يطل علينا من خلال المواقف المعلنة من جانب عدد من العواصم العربية التي وجدت أن من المناسب أن يندرج في خطابها الرسمي الحديث عن «مغامرة حزب الله» بينما كانت جماهير هذه العواصم تملأ الشوارع صارخة بإدانة المواقف العربية الرسمية وداعية إلى وقوف جدي مع لبنان.

تلك كلها نقاط جديرة بالتوقف عندها وتأملها والخروج منها بالدروس المستفادة، وهي في اعتقادنا كثيرة، وفاجعة، لكن ما يعنينا، في المقام الأول، هو التساؤل عن المنطلق الذي جاء منه هذا الاستعراض الناري الإسرائيلي في لبنان والذي راح ضحيته العشرات من القتلى والمئات من المصابين وأبرز عناصر البنية الحديثة في لبنان، بالإضافة إلى تهديد أمن لبنان واستقراره، فضلاً عن الرسائل العديدة والواضحة الموجهة إلى صناع القرار في دمشق وغيرها من عواصم المنطقة.

إننا نعتقد أن ما جرى هو التجلي الأكثر وضوحاً لتطبيق جنرالات إسرائيل لإستراتيجيتها الجديدة، التي بدأت في الحديث عنها ومناقشتها دوائر عدة معنية بالفكر الإستراتيجي في المنطقة وتطوراته.

ملامح هذه الإستراتيجية ليست سراً، أو بالأحرى هي لم تعد كذلك، فقد تعددت الكتابات عنها، والتي كان أحدثها ما كتبه باري روبن مدير الأبحاث العالمية في مركز الشؤون الدولية ورئيس تحرير مطبوعة «ميدل ايست ريفيو أوف انترناشيونال أفيرز» ومؤلف كتاب «الحرب الطويلة من أجل الحرية».

وفي القراءة السريعة لملامح هذه الاستراتيجية وتطبيق جنرالات إسرائيل لتوصياتها على أرض لبنان، يمكننا أن نتلمس مجموعة مهمة من الحقائق الجديرة بالدراسة والتحليل، لأنه سيترتب عليها الكثير في المستقبل القريب:

أولاً: هذه الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة التي شرعت ملامحها في الظهور تقوم على اعتقاد مجموعة من المخططين الاستراتيجيين الإسرائيليين، أن التمسك بالأراضي المحتلة في الضفة وغزة لن يخدم مصالح إسرائيل ولن يحقق لها السلام، ولم يعد يؤدي الوظيفة الاستراتيجية التي تنشدها إسرائيل.

وذلك في ضوء محدودية احتمال قيام دول عربية بشن هجوم تقليدي على إسرائيل وبالتالي فإن إسرائيل يمكنها أن تدافع عن نفسها بشكل أفضل عبر خط تختاره هي نفسها بدلاً من نشر قواتها على نطاق كبير، كما أن السلام لن يتم التوصل إليه في المدى القريب مع الجانب الفلسطيني بالمساومة بهذه الأراضي أو بجانب منها.

ثانياً: خلص الكثير من المخططين الاستراتيجيين الإسرائيليين من قراءة تطورات المنطقة منذ التسعينات إلى اليوم إلى أن أياً كان ما ستقوم به إسرائيل في إطار فكر أوسلو فإنها لن تصل إلى شيء، لأن القيادتين السورية والفلسطينية ليستا على استعداد للتوصل إلى السلام لأسباب هيكلية يصعب تغييرها.

وبالتالي فلابد لإسرائيل من التسليم بأن الصراع سيستمر طويلاً، وقد انعكس ذلك في التواصل في الفكر الإسرائيلي إلى ما يشبه الإجماع على خطوط وسطية تستمد أفكارها من اليمين واليسار الإسرائيلي على السواء، فمن اليسار جاءت فكرة الانسحاب الإسرائيلي من جانب واحد من بعض الأراضي المحتلة وتفكيك المستوطنات التي يصعب الدفاع عنها والقبول بدولة فلسطينية مقابل السلام ومن اليمين جاء الاعتقاد بأنه لن يكون هناك على الجانب الفلسطيني شريك للسلام لفترة طويلة مقبلة.

ثالثاً: من مجمل هذه الأفكار برز ما يمكن تسميته بالنموذج الجديد الذي يهيمن على الفكر والسياسة الإسرائيليين اليوم، وهذا النموذج الذي يقوم على تصور أنه من الممكن بالفعل في الوضع الراهن جعل إسرائيل في موقف أفضل على الصعيد الأمني بإتباع المنهاج المناسب. وهذا المنهاج يقوم على فكرة للدفاع أساسها خط واضح من صنع إسرائيل واختيار يمتد على أراض تختارها وتكسبها في آن وتشكل أفضلية استراتيجية لا موضع للنقاش فيها.

رابعاً: لم يتردد فريق من المخططين الإسرائيليين في التشديد على أن عناصر حماية أخرى ينبغي أن تضاف إلى هذا كله بما في ذلك الدوريات البحرية الإسرائيلية المنتظمة وسلاح الجو الإسرائيلي والقيام بهجمات قصيرة المدى داخل الأراضي التي يتم الانسحاب منها وداخل الأراضي العربية نفسها، ويظل عنصر الاختراق الوحيد هو إطلاق الصواريخ على إسرائيل عبر الحدود من قبل مقاتلي حزب الله ورجال المنظمات.

خامساً: إذا تأملنا البعد الرابع الذي أشرنا إليه حالاً فإننا لن نجد أمامنا إلا ساحة تجريبية للاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة، فجنرالات إسرائيل يحاولون اليوم من خلال شلال الدم المتدفق في لبنان البرهنة على أن هذه الاستراتيجية الجديدة يمكن لها النجاح وأنه من خلال تبنيها يمكن لإسرائيل تحقيق إجماع سياسي تنصرف تحت مظلته إلى الاهتمام بقضايا الاقتصاد والتنمية ومحاولة ترتيب البيت الإسرائيلي من الداخل.

ربما لهذا، على وجه الدقة، فإن المواقف العربية اليوم تكتسب أهمية استثنائية، والتخاذل الذي يلمحه الإنسان العربي في بعض المواقف الرسمية في عدد من عواصم العالم العربي لا يمكن إلا أن يكون شيئاً بالغ الخطورة لأنه، في جوهره الصحيح، يعني المساهمة في تمرير الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة بل ودعمها.

رئيس قسم الترجمة ـ «البيان»

kamel@albayan.ae