لم نعهد منذ عدة عقود تعريفا دقيقا لمضمون الموقف العربي ولم نلمس ولا لمرة واحدة بأنه يشكل قوة دفع في اتجاه اي شيء، تلك هي الحقيقة التي يتم التغاضي عنها لكي يعلق الجميع طول السنتهم على شماعتها،ومن المؤسف انه حتى اولئك الذين ينصبون انفسهم فلاسفة ومفكرين للأمة يتنازلون عن العناصر الموضوعية التي يتشكل منها الموقف ويتغاضون عن مقوماته وقدرته كي يؤثر في الاحداث والتطورات.
من هو الذي يطالب بموقف عربي موحد في العادة؟ انه جهة او دولة او جماعات سياسية تعقد مؤتمرا او ندوة او مهرجانا خطابيا ، لكن المسؤولين عن اتخاذ ذلك الموقف اي مجلس الجامعة العربية وأمينها العام السيد عمرو موسى يعرفون جيدا ان مفهوم الموقف العربي او القومي ليس موجودا لأن احدا لم يعمل على تشكيله منذ فترة طويلة اي منذ ان قدمت الدول العربية مشروعا للسلام عرف بمشروع فاس نسبة للقمة التي اقرته وشكل مرجعية قومية للدول العربية التي ذهبت الى مؤتمر مدريد الذي انعقد بعد انقسام الموقف العربي اثر الاحتلال العراقي للكويت.
وعلى افتراض ان ذلك الموقف موجود او ممكن فلأي جهة يمكن استخدامه خاصة وان الحربية المشتعلة الآن لم يصنعها كيان معين او دولة عضو في الجامعة العرب وان كان الاعتداء الصارخ والاجرامي يقع على تلك الدولة التي ينتمي اليها حزب الله ، في هذه الحالة فان المطلوب هو ادانة العدوان وهذا امر لا خلاف عليه وتقديم المساعدات الانسانية للشعب اللبناني وكذلك للشعب الفلسطيني وهذا وارد جدا واجراء الاتصالات مع الدول المؤثرة من اجل العمل على وقف اطلاق النار بين الجانبين وحل مشكلة الاسرى عن طريق المفاوضات المباشرة او غير المباشرة وهذا حاصل بشكل او بآخر.
مع كامل الاحترام والتقدير لموقف السيد حسن نصرالله الامين العام لحزب الله وربما الاعجاب ايضا فانه لا يستطيع ان يقول لنا انه يخوض المعركة الحاسمة - اي معركة الامة كلها مع اسرائيل كلها - والا فانه يظلم الأمة ظلما شديدا لأنه يعرف اكثر من غيره انها ليست جاهزة لتلك المعركة ان كانت حاسمة.
لسنا في معرض التقليل من شأن موقفه ولا منه كزعيم ينال احترام العرب جميعا منذ ان قاد معركة تحرير جنوب لبنان ، ولكننا نقول للذين يزايدون حتى عليه انه يدير معركته مع اسرائيل بدقة متناهية في ضوء خبرته ومعرفته الاكيدة بسقف الصراع .
وهو لذلك يبعث برسائل الى القادة الاسرائيليين مفادها اذا احببتم التصعيد فنحن جاهزون واذا اردتم التهدئة فنحن حاضرون،ولذلك فان الموقف العربي ليس ضمن المعادلة عند الرجل الذي خاطب امس ضمير الامة ولم يخاطب موقفها ، اي انه لا يبحث عن الزفة التي يطبل لها الاعلام المشبوه والمتقاعدون السياسيون.
اما من هو صاحب هذه المعركة ، فنحن لا نملك الاجابة بعد وان كنا نعرف احد طرفيها جيدا اي الطرف الاسرائيلي الذي هرب من معركة المفاوضات السلمية التي كان يشكل فيها طرفا رئيسيا ليقع في فخ الارهاب الذي صنعه بيديه وليدور في فلك منظمات ما كان لها ان تفرض اجندتها لو ان قادة اسرائيل تحملوا مسؤولياتهم تجاه الامن والاستقرار في المنطقة وقبلوا بمعادلة الارض مقابل السلام.
لقد اعمتهم عنجهية القوة والتكبر والتجبر عن الحقائق فلم يفهموا بأن الطريق المسدود يخلق طريقا جديدا نحو الذي سد الطريق ، ونحن لا نراهن على شيء في هذه اللحظات الصعبة ولكننا نقول للذين يسألون عن الموقف العربي ليس بعد.