بينما تزداد ارتفاعاً مع كل لحظة أصداء الحرب المفتوحة التي تشنها إسرائيل على لبنان، والتي تدخل الآن يومها السادس، تصل إلى الجميع رسائل واضحة، ومقصودة، من المهم التوقف عند فحواها واستشراف ما سيترتب على المقصود منها، عند هذا المنعطف الخطر من تطورات الموقف في المنطقة.

الرسالة الأولى هي تلك التي أطلقها الرئيس الأميركي جورج بوش من قمة الدول الثماني الكبرى في سان بطرسبرغ، حيث جدد تأييده لما أسماه حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها، وقال على نحو لا يحتمل اللبس إن رسالتنا إلى إسرائيل هي أن تدافع عن نفسها ولكن مع الاهتمام بالعواقب والنتائج.

هكذا يتم التأكيد على وضوح الضوء الأخضر الأميركي المعطى لإسرائيل بشن حربها المفتوحة على لبنان.

ومن صميم هذا الضوء الأخضر تأتي الرسالة التي تبعث بها إسرائيل عبر مصادر النيران الإسرائيلية التي تلتهم المزيد من المدنيين اللبنانيين، حيث لا يتردد رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت في القول إنه لا شيء يردع إسرائيل عن بلوغ هدفها، وإنه ستكون هناك عواقب بعيدة المدى على حدود إسرائيل ولبنان وفي كل أنحاء المنطقة.

لكن ما هو الهدف الإسرائيلي من وراء هذه الحرب المفتوحة؟

إن الرد على هذا السؤال يأتي في أحد جوانبه من التقارير التي تفيد أن إسرائيل بدأت بتغيير الحدود مع لبنان باتجاه رسم حدود جديدة، وابتلاع المزيد من أراضي الجنوب اللبناني، والرد يأتي في جانب آخر من تأكيد أورى أفنبري أن الهدف الحقيقي لحرب إسرائيل المفتوحة في لبنان هو تغيير الوضع الرسمي الراهن في لبنان والمجيء بحكومة في بيروت تنفذ تعليمات تل أبيب.

في غضون ذلك يتواصل تعرض لبنان للعدوان الصهيوني النازي المتسلح بالتواطؤ الأميركي، ومن هنا تتعدد وتتصاعد الخسائر في الأرواح وفي المنشآت والمؤسسات اللبنانية، على النحو الذي لم يتردد معه رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة في إعلان لبنان بلداً منكوباً ومناشدة العالم إغاثته، وأوضح معه وزير المالية اللبناني جهاد أزعور أن الأضرار المباشرة التي لحقت بالاقتصاد اللبناني منذ بدء الهجوم الإسرائيلي تقدر بنصف مليار دولار على الأقل.

وفي غضون ذلك يشير المراقبون الذين يتابعون تطورات المنطقة إلى أن كل المؤشرات تؤكد أن العدوان الإسرائيلي المفتوح على لبنان مرشح للتحول إلى عملية برية كبرى في الجنوب. وهم يشيرون في هذا الصدد إلى أن جوهر التحرك الإسرائيلي في هذه الحرب، حتى الآن، كان منصباً على بعدين محوريين، أولهما إحكام الحصار حول لبنان لمنع دعمه وتزويده بالإمدادات من أي مصدر كان، والثاني التدني بوضعية الطرق والجسور التي يمكن لحزب الله استخدامها في التحرك النشط في الجنوب.

وبغض النظر عن صحة هذا التوقع من عدمه، وهو توقع لا يفتقر إلى الخطورة فإن من المهم أن نتابع الرسالة التي أعلنها الأمين العام لجامعة الدول العربية في المؤتمر الصحافي الذي ألقى فيه الضوء على نتائج اجتماع وزراء الخارجية العرب.

ومع التسليم بأهمية الأبعاد السياسية لنتائج هذا الاجتماع، فإن تأكيد عمرو موسى على وجود ضوء أخضر دولي أعطي لإسرائيل لشن حربها المفتوحة على لبنان لا يمكن إلا أن يلفت الانتباه مجدداً للرسالة الأولى والأكثر أهمية في غمار هذه الحرب، أي الرسالة الأميركية بفتح الباب أمام تل أبيب لإطلاق نهر من الدماء العربية تحقيقاً للأغراض الأميركية ـ الإسرائيلية المشتركة في المنطقة.

وفي غضون ذلك تظل رسالة المقاومة اللبنانية واضحة كل الوضوح، لقد تم الوصول بالإنسان العربي إلى وضعية لا يملك معها إلا أن يدرك أن البندقية وليس غصن الزيتون هو السبيل الوحيد للتعامل مع الكيان الصهيوني، وهذا ما تدركه عن حق الشعوب والحكومات العربية من تجارب التاريخ ومن وقائع المشهد اللبناني الجاري حالياً.