أكتب هذا المقال وربما سيكون التحليل الذي أطرحه قد فات أوانه. فالأحداث تتلاحق والعواطف تتأجج يوماً بعد يوم بل ساعة بعد ساعة مما يذكرني بأجواء عشتها مرات كثيرة منذ حرب الأيام الستة عام 1967 أو كما نطلق عليه عام النكسة.. إلى حرب أكتوبر 73 مروراً بالاحتلال الإسرائيلي للبنان عام 82.

وحتى غزو الكويت 1990. وها نحن نشهد إسرائيل تحاصر وتدمر لبنان بادئة بالبنية التحتية من جسور ومطارات وطرق سريعة كلفت مليارات الدولارات وأثقلت كاهل لبنان بديون ضخمة... من دون حصر الشهداء والمدنيين الذين يزداد عددهم مع مرور الوقت والحرب في أولها بل نراها مرشحة للتوسع. فإسرائيل تتهم إيران بالتدخل وتعلن أن الخبراء الذين أطلقوا الصواريخ على إسرائيل والطائرة (بدون طيار) التي دمرت البارجة الإسرائيلية هي من صنع إيراني.

ويعتقد بعض المحللين أن الولايات المتحدة بصفتها حليف إسرائيل ربما ستتدخل لصالح الأخيرة على اعتبار أن إيران هي المحرضة لحزب الله كي يفتح جبهة شمال إسرائيل والتخفيف من الضغوط التي تواجهها حماس بصفتها حليفاً لإيران.

ويتخوف المراقبون بأن الأزمة سوف تتوسع وبالتالي سيضعف موقف الولايات المتحدة وإسرائيل خاصة لو نقلت إيران ساحة المعركة داخل العراق. كما أن الولايات المتحدة لا تستطيع خوض الحرب على جبهات أخرى إلى جانب أفغانستان والعراق. ويتساءل البعض هل تدمير البنية التحتية في لبنان وسقوط عشرات القتلى اللبنانيين والفلسطينيين سيفيد الجانب العربي؟

ولماذا في هذا الظرف بالذات خرجت هذه العملية؟ يجيب الجانب الآخر أن عشرات الآلاف من الأسرى الفلسطينيين واللبنانيين لا يزالون في سجون العدو وإسرائيل تزداد عنفاً وجبروتاً تحت حماية أميركية تفعل ما تشاء دون رادع. لذلك وغيره نريد تحريك القضية لإعادة النظر في الوضع العربي العام ومادام هناك ظلم فلن تهدأ الأوضاع إلا بحل عادل للقضية الفلسطينية التي أثبتت على مر الزمن أنها القضية الأولى لجميع العرب والمسلمين.

أما بالنسبة لمنطقة الخليج فانعكاسات ما يجري في لبنان وفلسطين قد ظهر جلياً منذ اليوم الأول للحرب على النحو التالي:

* ارتفعت أسعار النفط إلى 78 دولاراً للبرميل الواحد وهي مرشحة للارتفاع أكثر وربما يصل سعر البرميل إلى مائة دولار وهو ما يقلق العالم وبالذات الدول الصناعية التي لديها هاجس من استعمال النفط كسلاح مثلما حدث في حرب أكتوبر 73.

* واصلت البورصة هبوطها في أسواق الخليج حتى وصل هبوطها في السعودية مثلاً إلى حوالي 10% من قيمتها السابقة خاصة بعد اتهام إسرائيل إيران بالتواطؤ مع حزب الله مما ينذر بنوع من العمل ضد إيران تقوم به إسرائيل أو حليفتها الولايات المتحدة. إلى أي مدى تذهب تلك الأزمة وماذا سيكون رد فعل إيران ؟

* يقودنا كل ذلك إلى تذكر حقيقة الوضع في الخليج فجميع المنشآت النفطية والصناعات التي نشأت كامتداد للنفط مثل البتروكيماويات والألمنيوم وكذلك مصانع تحلية المياه جميعها مطلة على سواحل الخليج وهي معرضة لأي ضربة إرهابية.

ربما لن تصل الأمور إلى تلك الصورة التشاؤمية ولكن من المؤكد أن شيئاً كبيراً سوف يحدث للمنطقة وربما تعاد صياغة حدودها مرة أخرى بعد أن استنفدت اتفاقية سايكس- بيكو بين بريطانيا وفرنسا عام 1916 لتقسيم الشرق الأوسط بالصورة التي نعرفها قد انتهى وقتها ولا بد من اتفاقية جديدة تعيد رسم الحدود على أسس مختلفة.

فإفراط إسرائيل في استعمال القوة يثير فينا مزيجاً من الإحباط والغضب واليأس كوننا لا نستطيع فعل أي شيء بل ننتظر الفرج والحل من «أصدقائنا» في الخارج.