مرة جديدة، تتهاوى أسطورة جيش الدفاع الإسرائيلي (تساحال)، فقد مرغت قوى المقاومة في فلسطين ولبنان أنف جيش الاحتلال بتراب جنوب لبنان وأوحال قطاع غزة، ولم يعد ممكناً لمنطق الغطرسة والقوة أن يفرض الحلول القسرية على شعب بأسره، بالرغم من هول الفظائع والجرائم التي ترتكب بحق المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة وعموم الأرض المحتلة.
فبعد أقل من أسبوعين من عملية الوهم المتجدد التي صعقت جيش الاحتلال من تحت الأرض، ارتدت أمطار الصيف واستدارت لتفتك بجيش الاحتلال الإسرائيلي، بعد عملية (الوعد الصادق) النوعية التي نفذها مقاتلو حزب الله اللبناني صباح 12/7/2006 الجاري قرب مستعمرة زرعيت الملاصقة لحدود فلسطين المحتلة مع لبنان.
فقد هزت العملية البطولية والكمين المحكم الذي نصبته مجموعة فدائية من حزب الله لقوة منتخبة من جيش الاحتلال على الحدود الشمالية بين لبنان وفلسطين المحتلة عند موقع مستعمرة زرعيت، كل المستويات العسكرية والأمنية والسياسية داخل إسرائيل، وقدمت دعماً ملموساً للشعب الفلسطيني الصامد في قطاع غزة، في وقت تحشرجت فيه الأصوات وخفتت على امتداد الخارطة العربية.
ولم يستطع معها النظام الرسمي العربي من تقديم الدعم الملموس للشعب الفلسطيني في صموده الاستثنائي على أرض فلسطين، فبات الهم الرئيسي للعواصم العربية يتمثل في البحث عن حلول لإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت، بعد أن أقامت حكومة أولمرت «الدنيا ولم تقعدها» في الحديث عن الضحية جلعاد شاليت الذي تم أسره من قبل قوى المقاومة الفلسطينية أثناء العمليات الحربية ولم يتم اختطافه من منزله في أي من مستعمرات فلسطين المحتلة، أو من بين أحضان والدته أو زوجته أو أسرته.
ان عملية حزب الله البطولية صباح 12/7 الجاري، وتدمير دبابتين إضافيتين مع توغل جيش الاحتلال في منطقة قطاع العرقوب، تضيف المزيد من النجاحات الى رصيد الحزب، فضلاً عن كونها هدية ثمينة من شعب لبنان الى الشعب الفلسطيني، ورسالة تضامن حية تجاوزت العواطف والكلام المجاني لتصبح عملاً ملموساً، يؤكد مصداقية حزب الله في المقاومة، وفي مشاركته الشعب الفلسطيني في المعركة الموحدة ضد العدو الواحد، وفي الحفاظ على وحدة لبنان أرضاً وشعباً.
لقد استدارت عملية أمطار الصيف الدموية الإسرائيلية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، لتصبح أمطار الذل والعار فوق رؤوس جيش الاحتلال المزود بأعتى ترسانات تكنولوجيا السلاح في العالم. فقد تحولت جثث جنود «تساحال» الى أشلاء مبعثرة في جنوب لبنان، ولن تنفع معها تهديدات حكومة ايهود أولمرت.
وتصريحات جنرال الجو الفاشي دان حلوتس، الذي قاد وأشرف على معظم عمليات القصف الجوي واغتيال الكوادر الفلسطينية بالحوامات، بشأن استهداف وتدمير البنى التحتية في لبنان، واستهداف العمق السوري.
فعقارب الساعة لن تعود الى الوراء كما تريد وتكرر القيادة العسكرية والأمنية الإسرائيلية أو القيادة السياسية، ولم يعد باستطاعة جيش الاحتلال الدخول والإقامة على أي جزء من أرض لبنان.
ولم يعد لبنان أرضاً مستباحة للسياحة العسكرية الدموية لجيش الاحتلال، فقد نمت قوى المقاومة وتصلب عودها، واكتسبت المزيد من المناعة والحصانة بالرغم من المناخات الدولية الداعمة بلا حدود لحكومة تحالف المجانين (حزب كاديما + حزب العمل) بقيادة ايهود أولمرت، وبالرغم من الوضع العربي الاجمالي المتهالك، والذي يكاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في الاستسلام لمشيئة القدر الأميركي.
ومن موقع الحديث المباشر، نستطيع القول بأن حزب الله، نفذ الوعد الصادق، فربط القول بالعمل، على المستويات كافة، في التضامن والتشارك مع المقاومة الفلسطينية، وفي سياسته العربية، وسياسته المحلية العاقلة داخل الساحة اللبنانية، فقد نأى الحزب بنفسه عن اللعبة الداخلية اللبنانية، وتجاوز لعبة الصراعات الإقليمية والدولية التي ضغطت على لبنان وسوريا.
واشتق طريق الهدوء في الداخل اللبناني وفي علاقات لبنان العربية مع جواره القريب، ليصبح قوة التوازن العروبية في لبنان، رافضاً أن يتحول لبنان الى شوكة في خاصرة سوريا بعد أن حاولت الولايات المتحدة تجيير الحدث الأليم باغتيال الشهيد رفيق الحريري وتحويله الى عملية استخدامية لتقويض السلم الأهلي في لبنان ومع الشقيقة سوريا.
ان رسالة حزب الله العملية التضامنية مع شعب فلسطين، في الوعد الصادق، في عمليته البطولية قرب مستعمرة زرعيت، وفي التصدي لقوات الاحتلال التي دخلت الأراضي اللبنانية، تفوق كل الرسائل الشفهية أو المكتوبة، علها تسهم في إيقاظ النائمين من سباتهم العميق على امتداد الخارطة العربية والإسلامية بعد أن صموا آذانهم تجاه ما يجري في فلسطين، وتحولوا في أحسن الأحوال إلى وسطاء فقط لإنقاذ عضو تساحال جلعاد شاليت الذي أسر أثناء هجمات جيش الاحتلال على المدنيين الفلسطينيين في منطقة رفح في قطاع غزة.
وبكل الحالات، فان الردود الهمجية من قبل جيش الاحتلال ضد لبنان وضد الفلسطينيين خصوصاً في قطاع غزة، لن تكون طريقاً للحل، ففي نهاية المطاف سيرضخ ايهود أولمرت وحكومته في التجاوب مع إرادة المقاومة والقبول بمبدأ تبادل الأسرى بطريق غير مباشر كما حصل عدة مرات مع كل من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة في عمليتي النورس والجليل عامي 1979/1985، ومع حركة فتح عامي 1971/1983، ومع حزب الله عامي 1999/2004.
كما أن الهجمات الجوية الإسرائيلية لن تقابل بالورود والرياحين، فحزب الله اليوم هو غير حزب الله الأمس من حيث العدة والعتاد، ومن حيث التجربة. وعليه فان قصف المطارات العسكرية الإسرائيلية في سهل بلدة الجاعونة (روشبينا)، والبصة، وقصف شبكة الرادار في جبل الجرمق شمال مدينة صفد، وفي منطقة ميرون، ومدينة نهاريا، يؤكد ما ذهبنا اليه.
فالتصعيد الدموي الإسرائيلي واستضعاف المدنيين في فلسطين ولبنان، لن يكون مفتوحاً على طول الخط، وسيقابل بالضرورة بالمزيد من الفعل المقاوم المشروع، سواء بقي المجتمع الدولي صامتاً ساكناً، أم تحرك بشكل فعلي لإيقاف العدوان. وبهذا المعنى، فان المنطقة بأسرها دخلت من جديد عبر نفق طويل لا ضوء يرى خلاله، خصوصاً اذا ما أقدمت حكومة ايهود أولمرت على ارتكاب (رعونة وحماقة) في استهداف العمق السوري.
كاتب فلسطيني ـ دمشق
