رغم أن «الأمن الاجتماعي» يعد ركنا مكينا من أركان الأمن القومي لأي دولة، ورافدا أصيلا من روافد قوتها الناعمة، فإنه لم يحظ باهتمام كاف من قبل منظمات المجتمع المدني العربية، التي وجهت جل جهدها إلى المسائل السياسية، وانحازت إلى «التغيير من أعلى» ووقع بعضها في فخ تبني «أجندات» لا تحظى بتوافق عربي عام.

وفي ضوء ما تشهده الدول العربية من جدل حول الإصلاح على كافة الصعد، فإنها بحاجة أشد اليوم إلى مجتمع مدني فاعل يحقق أكبر إسهام ممكن في «الأمن الاجتماعي» لمواطنيها، وهي مسألة حظيت باهتمام جامعة الدول العربية، من خلال المجلس الاقتصادي والاجتماعي. لكن هذا الاهتمام، لم يترجم إلى فعل قوي ملموس في الشارع وبين الناس، ووقف في أغلبه عند حدود الأمنيات والمناشدات والمطالب، شأنه في هذا شأن العديد من قضايا العمل العربي المشترك.

ويرتكز تفعيل دور المجتمع المدني العربي بالأساس على تحديد واضح ودقيق لأهدافه ووظائفه، وخروجه من دوامة ارتباك الأدوار التي زجت الكثير من منظمات المجتمع المدني بنفسها إليها، إلى الحد الذي بات بعضها يخلط بين دورها وبين بعض أداور الدولة، بل والمعارضة أحيانا.

وإذا كان من أبرز الأهداف الإنمائية للألفية الثالثة نشوء مجتمع مدني قوي، فلابد من تنشيط دور المجتمع المدني العربي في توفير «الأمن الاجتماعي» بكل ما تعنيه هذه الوظيفة من تحسين لأحوال المواطنين ثقافيا وتربويا وصحيا وروحيا واجتماعيا ، وتوفير شبكات للأمن الاجتماعي العربي لمواجهة الأزمات والكوارث الطبيعية، ومحاربة الأمراض، والأزمات الاجتماعية، وحماية البيئة، وتعزيز السلم الاجتماعي، ونشر ثقافة التسامح، والإيفاء بحقوق المرأة والطفل، ومحو الأمية ومكافحة الفقر، والإسهام بشكل فعال، ماديا وإنسانيا، في المسائل المتعلقة بالإغاثة والعون، وهو ما تقره معظم التشريعات العربية في تنظيمها للمجتمع المدني المعاصر.

وبداية يتطلب هذا الأمر وضع تصنيف واضح يشمل خصائص ومواصفات منظمات المجتمع المدني التي يمكنها أن تقوم بدور «الأمن الاجتماعي» في العالم العربي، سواء كانت هذه المنظمات تعمل على مستوى قطري، أم على مستوى جمعي عربي، بغية تعزيز دور المؤسسات ذات الاتجاه التنموي على ساحة العمل الأهلي العربي على المستويين الكمي والنوعي، وتطوير فلسفة العمل الأهلي، وتدعيم آليات عمل جديدة تقوم في إطار من المحاسبية والشفافية، وتكييف نمط فاعل من المشاركة مع الحكومات الوطنية والمنظمات الإقليمية والدولية.

ثم يجب تعزيز دور الجامعة العربية في تنمية روح العمل الأهلي الطوعي داخل الدول العربية، واستعراض مبادرات الجامعة في هذا الإطار، سواء تعلق الأمر بالعمل العربي المشترك في مجالات مثل دعم دور المرأة، أو تأسيس مجتمع للمعرفة، أو التوجه نحو مبادرات جماعية لمواجهة بعض الكوارث، إضافة إلى مبادرات الجامعة على صعيد التعاون الثقافي، أو إقامة جسور للحوار والتعاون بين مؤسسات المجتمع المدني في البلدان العربية.

وحتى نشجع الجميع على المضي قدما في هذا الاتجاه، فلا بد من تسليط الأضواء على حالات ناجحة بكل قطر عربي لمنظمات مجتمع مدني نجحت في لعب دورها التنموي وتحقيق درجة كبيرة من الأمن الاجتماعي أو حل بعض المشكلات المجتمعية القائمة. ولا بد أيضا من الوقوف بشكل جدي على حقيقة التباينات القائمة بين الدول العربية في هذا المجال، وبيان الأولويات التي تحتاجها كل دولة مقارنة بغيرها، حتى لا تذهب الجهود المبذولة سدى.

وعلى سبيل المثال، في دولة مثل السودان نلاحظ توجه جهود المجتمع المدني إلى مواجهة آثار الحرب في الجنوب ولقضايا مثل الجفاف والتصحر واللاجئين والأمن الغذائي. وهذا الوضع يختلف عن دولة عربية أخرى مثل فلسطين التي تحتاج لمجتمع مدني يكون غرضه الأول تعزيز التنمية والمساهمة في تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي، ودعم الركيزة الاجتماعية للمقاومة. وفي بعض الدول ربما يكون الدور الثقافي للمجتمع المدني هو الأكثر بروزا، وفي دول أخرى تكون قضايا البطالة والبحث عن حلول المرأة والشباب هي همها الأول.

ولا يعني ذلك بالطبع تحديد نشاط معين داخل كل دولة، لأن هذه الأنشطة بينها درجة كبيرة من التشابك ولا يمكن فصل بعضها عن الآخر، لكن المستهدف هو الوقوف على أولويات يمكن البناء عليها حتى تتمكن مؤسسات المجتمع المدني العربي من تحقيق أقصى درجة ملائمة من الأمن الاجتماعي، جنبا إلى جنب مع أدوارها الموزعة بين السياسة والحقوق القانونية.