بعد أسبوعين من حكم المحكمة الأميركية العليا، تراجع البيت الأبيض أخيراً وأعلن مضطراً أن جميع المعتقلين الأجانب فى مراكز الاعتقال والسجون الذين اعتقلهم الجيش الأميركي فيما تسمى «الحرب ضد الإرهاب»، سواء في معتقل غوانتانامو أو في سجون العراق أو في سجون أفغانستان هم بمثابة أسرى حرب طبقا لاتفاقية جنيف لحقوق الأسرى.
ويأتي هذا الحكم من القضاة الأميركيين، وهذا التراجع من الإدارة الحاكمة، بعد 4 سنوات من رفض الساسة الأميركيين وفى مقدمتهم الرئيس بوش، ونائبه تشيني ووزير الحرب رامسفيلد لتطبيق قواعد هذه الاتفاقية على هؤلاء المختطفين باعتبارهم أسرى حرب، وبعد أربع سنوات من التعذيب لهؤلاء المشتبه بهم والمعاملة اللاإنسانية دون اتهام أو محاكمة أو دفاع!
ومنذ عملية الاختطاف الشهيرة لمئات المسلمين والعرب من جميع القارات أثناء غزو أفغانستان، ثارت مشاعر الاستياء والازدراء لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الأميركي والعربي والعالمي، وأدانتها المنظمات الدولية وفى مقدمتها منظمة العفو الدولية واللجنة الدولية لحقوق الإنسان، والأمين العام للأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الأميركية والأوروبية والإسلامية والعربية .
وفقدت الإدارة الأميركية مصداقيتها أمام العالم كله، وبدت في صورة كاريكاتورية مثيرة للرثاء حينما كانت تمارس الضغوط على الدول المستقلة، وتتدخل في شؤونها الداخلية، وتنتهك سيادتها باسم الدفاع عن الديمقراطية، وترتدي ثياب الواعظين والمبشرين أحيانا، ووشاح القضاة الدوليين أحيانا أخرى، وتفرض العقوبات الاقتصادية والسياسية باسم الدفاع عن حقوق الإنسان بينما هى غارقة إلى أذنيها في انتهاك هذه الحقوق.
ورغم مواجهة الإدارة الأميركية لعواصف من الفضائح والانتقادات الشعبية والرسمية في داخل أميركا وخارجها على مدى السنوات الأربع، خصوصا بعدما تكشفت الفظائع والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الجيش الأميركي سواء في سجن «أبوغريب» بالعراق أوفى قاعدة «باغرام» بأفغانستان، بعدما فضحتها الوسائل الإعلامية المحترمة سواء الأميركية أو الأوروبية، ظلت أركان الإدارة الأميركية تصر على أن هؤلاء المختطفين «مقاتلون أعداء وإرهابيون أشرار» لا حقوق لهم.!
ومع فشل الجيش الأميركي رغم التعذيب ورغم كل أساليب الترغيب والترهيب فى الحصول على أدلة تتيح له توجيه اتهام لهؤلاء «الإرهابيين الأشرار»، ومع الاضطرار للاعتراف بسقوط بعض الضباط والجنود بارتكاب جرائم وأخطاء منافية «للقيم الأميركية» مع تصاعد حملة المنظمات القانونية والإنسانية وتوالى الفضائح الإعلامية، لم تجد تلك الإدارة أمامها سوى الإفراج عن أعداد كبيرة من هؤلاء الأسرى والمختطفين.
وقد ثار الجدل طويلا في الأوساط القانونية والإعلامية الأميركية والدولية مما اضطر معه الرئيس الأميركي إلى الاعتذار عن الفظائع الأميركية ضد سجناء أبوغريب قائلا «إنها أكبر الأخطاء التي ألحقت العار بالصورة الأميركية» لكن الغريب أنه لم يبد اعتذارا عن اختطاف المئات من رعايا عشرات الدول لمجرد الاشتباه، واعتقالهم تحت التعذيب دون تهمة، ثم الإفراج عنهم دون اعتذار أو تعويض.!
إن هذا المسلك الأميركي المشين والذي اعترفت فيه وزيرة الخارجية بوقوع القوات الأميركية بارتكاب آلاف الأخطاء «التكتيكية» وبغض النظر أنها تدرك عن يقين أنها الأخطاء الاستراتيجية، لم يضر بالصورة الأميركية فقط ولم يبدد مصداقية الشعارات الأميركية فقط، بل ألحق أبلغ الضرر بالدعاة الحقيقيين والصادقين للديمقراطية وحقوق الإنسان ليس باعتبارها تراثا أميركيا ولكن باعتبارها مطالب وطنية وإنسانية.
إن تراجع الساسة الاميركيين بأمر القضاء بعد أربع سنوات، بقدر ما هو علامة على سلامة القضاة، بقدر ما جاء دليلا على بطء القضاء، والبطء فى تحقيق العدالة هو نوع من الظلم، إن لم يكن من أقسى أنواع الظلم .
وإن احترام الساسة الاميركيين لحكم المحكمة العليا وإن جاء دليلا على ما للقضاء في دولة القانون الأميركية من سيادة حتى على البيت الأبيض ووزارة الدفاع، بقدر ما جاء دليلا على قصر النظر الذي يتمتع به هؤلاء الساسة، وفقدان فضيلة الشجاعة على الاعتراف بالخطأ منذ البداية، وتصحيح الأخطاء، والقدرة على المراجعة بل والتراجع، بدلا من الإصرار على الأخطاء، وعلى المكابرة، ومواجهة مأزق التراجع جبراَ لا اختيارا، وخشيةَ لا حياء.. وهذا أيضا يبدو أيضاً مثيراَ للرثاء!
mamdoh77t@hotmail.com