أن تختار كوريا الشمالية يوم 4 يوليو عيد الاستقلال الأميركي، لإطلاق صاروخ طويل المدى يفترض ان يطال الساحل الغربي للولايات المتحدة وحتى ألاسكا، ولو ان الإطلاق كان فاشلاً تقنياً، يحمل رسالة رمزية في توقيته، رغم ان الصاروخ حامل أصلاً لرسالة تقول انه لم يعد من الممكن الاستمرار في حال الجمود الثقيل الوطأة بالنسبة لكوريا الشمالية في المفاوضات الأميركية الكورية الشمالية. المفاوضات التي تجري بالطبع في إطار «مجموعة الست» باعتبار ان واشنطن رضيت دائما التحدث إلى كوريا الشمالية مباشرة لأن في ذلك، حسب واشنطن هدية دبلوماسية وتنازلا استراتيجيا يعطى لإحدى دول «محور الشر»®.
وللتذكير فإن الجمود يبدو مكلفا من وجهة نظر كوريا الشمالية لأنه يحمل عقوبات أميركية منذ توقفت المفاوضات في الخريف الماضي. المفاوضات التي جاءت نتيجة للتصعيد منذ انسحاب كوريا الشمالية من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية في يناير 2003 وإعلانها عن امتلاكها للقدرة النووية أو عن دخولها النادي النووي في شهر أغسطس 2003.
الصاروخ الفاشل تقنياً يدخل ضمن سياسة التصعيد المدروس أو الاستفزاز المحسوب وكوريا الشمالية اشتهرت في إدارة ازماتها العديدة مع الولايات المتحدة بالتحدي الناجح لسياسات الخطوط الحمر التي كانت تضعها أمامها واشنطن. قد يقول البعض إن الرئيس الكوري الشمالي أراد من هذا التشدد المتحدد إرضاء المؤسسة العسكرية المتشددة بطبيعتها دون أن يعني ذلك انه يختلف معها في الرأي فكوريا الشمالية التي هي من اضعف الاقتصادات وأكثرها تخلفاً في العالم لديها الجيش الخامس في العالم من حيث عدده.
كوريا الشمالية أرادت من هذا التصعيد دعوة واشنطن إلى الانخراط مجدداً في الملف الكوري للخروج من وضع الجمود الحاصل لكن الإدارة الأميركية «المتورطة» في خطاب تصعيدي متشدد ضد كوريا الشمالية والتي تتعرض باستمرار لانتقادات متزايدة مع الوقت من طرف الديمقراطيين لسوء إدارتها للملف الكوري مازالت مترددة في القبول «بالخيار الإيراني» الذي تدعو إليه كوريا الشمالية، وهو خيار القبول بالتفاوض المباشر مع إحدى دول «محور الشر»، الأمر الذي يعتبر تراجعاً أساسياً في السياسة الأميركية تقف وراءه وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بشكل خاص.
مشكلة واشنطن الأساسية انها، اذا أرادت الضغط على كوريا الشمالية وتوجيه رسالة فاعلة وذات مصداقية لدفعها للتراجع، عليها الحفاظ على التوافق مع موسكو، وبكين في هذا الأمر، لكن الأخيرتين أعلنتا انه لا يمكن ان تكونا شريكتين في توافق ضاغط على كوريا الشمالية رغم انتقادهما للتصعيد الكوري، اذا ما لوحت واشنطن بالخيار العسكري. من مشاكل واشنطن أيضا ان هنالك انقساما بين حليفيها الأساسيين: كوريا الجنوبية واليابان في كيفية التعامل مع التوتر الحاصل.
فاليابان تقود خط التشدد فيما كوريا الجنوبية لاعتبارات عديدة من استراتيجية وأمنية ووطنية ومجتمعية تدعو للتهدئة وللبحث عن الحلول السياسية والدبلوماسية. كوريا الجنوبية تنتقد سياسة العصا الغليظة اليابانية فيما تنتقد اليابان سياسة التسويف والمماطلة الكورية الجنوبية. فحصول هجوم أميركي على كوريا الشمالية من نوع الضربات الجراحية لن يأتي بنتائج بالطبع وسيكون الرد الطبيعي عليه ضد القوات الأميركية في كوريا الجنوبية. وسيكون لذلك تداعيات تتخطى الشأن الأمني لتطالب طبيعة وخصوصية العلاقة بين الكوريتين.
ولا ننسى ان ما يغذي الخلاف المشتعل بين اليابان وكوريا الجنوبية حول كيفية التعامل مع التحدي «والاستفزاز» الكوري الشمالي يكمن أيضا في الثقل التاريخي النفسي للعلاقة بين الطرفين الذي يلقي بظله بقوة على حاضر ومستقبل العلاقات بينهما رغم انتمائهما الاستراتيجي إلى الكتلة الواحدة.
الصين الشعبية التي هي الشريك الاقتصادي و«الحياتي» الأول لكوريا الشمالية والتي تمد هذه الأخيرة بأوكسجين الاستمرار تعيش أيضاً حال ارتباك، فحدوث مواجهة أميركية كورية شمالية سيجرها إلى موقف صدامي مع واشنطن له تداعيات على مصالحها العالمية ولن يكون بإمكانها تلافيه.
كما ان احتمال سقوط النظام الكوري الشمالي وحصول سيناريو توحد الكوريتين سيعني عملياً وصول القوات الأميركية إلى الحدود الصينية مع ما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية على الأمن الصيني. كما أن حصول سيناريو الفوضى في كوريا الشمالية سيؤدي إلى إغراق بيكين في هذه الفوضى وإرباكها وفتح الباب لتدخل خصومها وأعدائها في «المسرح» الكوري.
ويبدو ان الأزمة المستمرة في ظل عدم قدرة واشنطن على بلورة موقف موحد يضمها مع كوريا الجنوبية واليابان والصين الشعبية وروسيا الاتحادية ضد كوريا الشمالية، موقف الخمس ضد الواحد في إطار مجموعة الست، طالما انها لم تبلور خياراً دبلوماسياً مطمئنا لبكين بدرجة أولى ولموسكو بدرجة ثانية، ستتجه إلى مزيد من التصعيد الدبلوماسي.
ولكن في نهاية الأمر يبدو ان الخيار الوحيد المتاح هو أحياء «دبلوماسية الست» مع قيام واشنطن بإجراء محادثات غير «رسمية» بشكل ثنائي مع كوريا الشمالية على هامش اجتماعات الست بغية التوصل إلى تسوية لهذه الأزمة المتفجرة. أزمة الصواريخ الكورية تمثل نموذجاً ساطعاً لتداخل «الاستراتيجي» و«الوطني» المتشدد بالتاريخي والنفسي في المسرح الشرق آسيوي الذي يضم أهم القوى العالمية والذي تحمل ازماته تداعيات على المستوى العالمي.
كاتب لبناني