سيظل يوم 9 يوليو 2006 يوماً خالداً في تاريخ الصحافة المصرية. في هذا اليوم احتجبت كل الصحف اليومية والأسبوعية الحزبية والخاصة بمختلف اتجاهاتها احتجاجاً على ما يتم «طبخه» من تعديلات قانونية تقيد الحريات وتحاول تكميم الصحف حتى لا تلاحق الفساد والفاسدين.

وفي هذا اليوم احتشد الصحافيون في تظاهرة احتجاج غاضب وصامت أمام مجلس الشعب الذي كان نوابه قد بدأوا في اليوم السابق نظر هذه التعديلات في مناخ تمت تعبئته ضد الصحافة والصحافيين رغم جهود رئيس المجلس في ضبط إيقاع المناقشات، ورغم أن بعض النواب «المحترمين» من الحزب الوطني نفسه اتخذوا موقفاً ضد التعديلات المقترحة، وفي مقدمتهم الدكتور مصطفى السعيد الوزير السابق الذي تعرض لأقسى الحملات الصحافية أثناء الوزارة وبعدها، ومع ذلك اتخذ موقفاً عاقلاً ومحترماً.

ومع الصحافيين المحتشدين أمام مجلس الشعب، جاء ممثلو القوى المدنية يعربون عن تضامنهم مؤمنين أن حرية الصحافة هي أم الحريات، وأنه لا معنى للحديث عن إصلاح سياسي حقيقي إلا إذا كانت في القلب منه صحافة حرة مستقلة لا تخضع لقوانين بالية موروثة من أيام الاحتلال الإنجليزي ومن عصور حكومات الأقلية المستبدة،ولا منقولة من قوانين فاشية أسقطتها أوروبا منذ عشرات السنين.

وفي هذا اليوم خرجت الصحف «القومية» التي لم تحتجب وهي تحمل عطر الحركة المباركة للصحافيين رغم تباين مواقف القائمين عليها. وكانت كتابات سلامه احمد سلامه ومكرم محمد أحمد وصلاح الدين حافظ تعلن الكلمة الحرة، أما أحمد رجب فكانت سطوره الموجزة البليغة «تسقط الصحافة ويحيا الفساد» هي الشعار الذي حمله الصحافيون في تظاهرتهم.

وتميزت الأخبار والمصور بموقف ينتصر للمهنة، أما «الجمهورية» فقد انحازت لتاريخها الطويل في الدفاع عن الحرية منذ أن صدرت بترخيص يحمل اسم «جمال عبد الناصر حسين» واتخذت موقفاً شجاعاً في معارضة التعديلات وخاصة ما يتعلق بتحصين «الذمة المالية» للمسؤولين. وأثبتت أن الصحافة « القومية » ليست هي صحافة الموافقة والتصفيق لكل قرار حكومي، ولكنها الصحافة التي تنحاز لمصلحة الوطن وتعلو فوق الانتماءات الحزبية لكي تكون لمصر كلها.

وكم كان مؤثراً أن تتجاور الأجيال في مسيرة الدفاع عن حرية الصحافة، وأن يصر المفكر الكبير محمود أمين العالم ـ رغم الأعوام الخمسة والثمانين ـ على الوقوف لأكثر من ثلاث ساعات تحت لهيب الشمس، وألا يكتفي صلاح الدين حافظ بكتاباته وجهوده في اتحاد الصحافيين العرب، بل يصر ـ رغم الحالة الصحية ـ على المشاركة من البداية للنهاية.

وفي هذا اليوم اتخذ الرئيس مبارك قراره الذي أعلن في صباح اليوم التالي والذي انحاز فيه إلى مطالب الصحافيين فيما يتعلق بالتعديل الشائن الذي يحصن «الذمة المالية» للمسؤولين، وقرر إلغاء هذا النص وبالتالي أصبحت كل جرائم القذف والسب تعاقب بالغرامات المالية والتعويضات فقط، واقتصرت عقوبة الحبس على ما يخص انتهاك الأعراض.

وفي الوقت الذي لقي فيه قرار الرئيس مبارك ترحيب الأمة كلها، كان الموقف في مجلس الشعب مضحكاً مبكياً. فالذين طالبوا بجلد الصحافيين واتهموهم بكل ما هو شائن في اليوم السابق، وقفوا يصفقون لقرار الرئيس ويباركون الانتصار لحرية الصحافة ! والذين عقدوا الاجتماعات في اليوم السابق ليصدروا التعليمات للنواب بضرورة الالتزام بتأييد المشروع الحكومي، وليقرروا بحزم أنه لا مناقشة على الإطلاق بشأن المادة الخاصة بالذمة المالية إلا إذا كان النقاش منصباً على تشديد العقوبات.. هؤلاء اختفوا من المشهد وكأنهم أدركوا أن اللعبة انكشفت وأن تحصين الذمة المالية كان مشروعهم هم حتى لا تفتح ملفات بدأ الحديث عنها بالفعل.. ولا بد أن يستمر !

قرار الرئيس مبارك نجح في احتواء الموقف، وأزال حالة الاحتقان الشديدة، وصدرت التعديلات الجديدة لتطرح التساؤل : هل تحقق ما أراده الصحافيون، وهل تم تنفيذ الوعد الرئاسي بإلغاء الحبس في كافة جرائم النشر ؟ أتذكر انه بعد أن ابلغني الرئيس مبارك بوعده الرئاسي لأنقله إلى جموع الصحافيين في افتتاح المؤتمر الرابع للصحافيين، أنني عدت بعد أيام لأنقل للصحافيين أن عليهم أن يتوقعوا معركة شرسة من أجل تطبيق هذا الوعد، وأن لوبي الفساد وأعداء الحرية لن يستسلموا بسهولة. وقد صح ما توقعت، وعلى مدى أكثر من عامين كانت المعركة تدور، وزاد من تعقيداتها حالة الحراك السياسي التي انطلقت في هذه الفترة بكل تطوراتها المهمة إيجاباً وسلباً.

الآن.. لم يعد وعد الرئيس مجرد «حديث في السياسة» لا يمكن ترجمته إلى واقع قانوني وإلا سادت حالة من الفوضى في الصحافة المصرية كما كان يزعم لوبي الفساد وأعداء الحرية، وإنما أخذ الوعد طريقه إلى التنفيذ ولو بطريقة جزئية، وأنقذ قرار الرئيس الحكومة والبرلمان من فضيحة تشريعية حين رفض تحصين «الذمة المالية» للمسؤولين.

التعديلات الجديدة ألغت عقوبة الحبس فيما يخص جرائم القذف والسب والتي تمثل الغالبية العظمى من الدعاوى القضائية المقامة ضد الصحافيين، كما ألغت المواد القانونية التي كانت تسمح بتعطيل الصحف سواء من النيابة أو المحكمة والتي استخدمت أيام السادات بطريقة دراماتيكية مع صحيفة «الأهالي» التي كان يتم تعطليها أسبوعياً بقرار من النائب العام الذي دخل التاريخ من هذا الباب «أنور أبوسحلي». وأيضا تم ضبط العديد من مواد القانون التي كانت تعاقب على تهم هلامية مثل «الازدراء» و«الإثارة» و«كراهية الحكومة» !

لكن التعديلات أبقت على عقوبة الحبس ( الوجوبي أو الاختياري) في العديد من جرائم النشر، ولعل ما تركزت عليه المناقشات هو ما يتعلق بـ «إهانة الرؤساء والملوك» ورغم أن التعديلات جعلت العقوبة هي الحبس أو الغرامة بعد أن كان الحبس وجوبياً، فإن الجريمة بكاملها لابد أن تلغى ليس فقط لان الصحافيين المصريين لن يتوقفوا عن وصف الرئيس الأميركي أو الإسرائيلي بما يستحقه، ولكن لأنه لا يمكن الاعتماد على أن الدعوى القضائية في هذه الحالة لا تقام إلا بموافقة وزارة العدل، ولا أن موقف الرئيس مبارك حاسم في هذا الشأن. فالقوانين لا تصدر اعتماداً على أشخاص ولا ارتهانا لحالة سياسية يمكن تعديلها.

عقوبة الحبس مازالت موجودة في العديد من جرائم النشر، وهو ما يعني أننا قطعنا خطوة مهمة على الطريق، ولكن أمامنا خطوات أخرى، ومن هنا أهمية الاتفاق الذي تم على أمرين: الأول هو استمرار العمل من اجل مراجعة كافة المواد القانونية الخاصة بالنشر والتي تطالب النقابة بإلغاء بعضها، وبالاكتفاء بعقوبة الغرامة في بعضها الآخر، وذلك من خلال اللجنة المشتركة بين النقابة والجهات الرسمية المسؤولة.

والأمر الثاني: أهمية الإسراع بإنجاز تشريع جديد يحقق عملية تدفق المعلومات، وهي حجر الزاوية في أي إصلاح يتعلق بالأداء الصحافي. فلا معنى لمحاسبة حقيقية لصحافة تحجب عنها المعلومات، ولا قيمة لأي حملات لمحاربة الفساد إلا مع شفافية كاملة تكون فيها كل المعلومات عن كل الشخصيات المسؤولة متاحة ومعلنة، خاصة في ظل حكومة أبرز أعضائها من رجال الأعمال،

وفي ظل سعيهم لاستكمال السيطرة على الحز ب الحاكم ، ومع ما كشفه مشروع القانون من محاولة تحصين «الذمة المالية» واستماتة البعض في هذه المحاولة خوفاً من كشف الحقائق وفتح الملفات. ويبقى الحديث عن حكومة عجزت عن فهم المغزى الحقيقي لقرار الرئيس مبارك بإلغاء الحبس في قضايا النشر، وخضعت لابتزاز البعض الذي يخشى من الحديث عن «الذمة المالية» وأضافت أزمة جديدة مع الصحافيين والرأي العام. بعد أزمات عديدة سابقة تؤكد الفجوة بين القرار السياسي وبين الإجراءات التنفيذية العاجزة عن التعامل مع الواقع برؤية سياسية يؤدي افتقادها إلى الخلل الراهن.

ويبقى أيضا الحديث عن أداء برلماني هزيل لحزب الأغلبية يستدعي السؤال: هل يصلح مثل هذا الأداء للتعامل مع استحقاقات فترة حاسمة في تاريخ مصر بكل تعقيداتها، خاصة أننا مقبلون على تعديلات دستورية مهمة لا يمكن أن تترك في أيد تضمر الكراهية لحرية الصحافة، وتطالب بجلد الصحافيين، وترضى لضميرها أن توافق على تحصين الفساد والمفسدين ولا تتراجع عن هذا الموقف المشين إلا بعد التدخل الشخصي للرئيس مبارك؟

نقيب الصحافيين المصريين