إذا أرادت أجيال الحاضر التي لم تعاصر سنوات الحرب العالمية الثانية الدامية أن تتعرف على بشاعة النازية، فليس أمامها سوى أن تتابع مشاهد القتل والدمار والتخريب التي تنفذها آلة الحرب الإسرائيلية. ولا نبالغ ان قلنا، إن مايفعله القتلة والسفاحون الإسرائيليون في لبنان وفلسطين المحتلة، يفوق جرائم النازية التي عوقب عليها المئات من مجرمي جيش هتلر بعد أن خمدت نيران الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك لم يعاقب مجرم حرب اسرائيلي واحد على جرائمه.

بل ان ثلاثة من كبار المجرمين، وهم مناحم بيغن واسحق رابين وشيمون بيريز نالوا جائزة نوبل للسلام. مع أن الأول احترف القتل في شبابه عندما أسس عصابة أرغون الصهيونية التي ابادت قرى فلسطينية بأهلها في نهاية الأربعينات، والثاني تبنى سياسة كسر عظام الصبية الفلسطينيين خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، والثالث ارتكب مذبحة قانا قبل عشر سنوات.

القتل والتخريب واقتلاع الأخضر واليابس من ربوع البلدين الشقيقين لبنان وفلسطين، صار لذة ومتعة للجيش الاسرائيلي الذي ما ان يتعرض لعمل من أعمال المقاومة المشروعة، حتى يسارع الى تجييش قواته برا وبحرا وجوا ليشبع متعة القتل التي باتت من سماته الإجرامية.

جرائم يوم واحد في لبنان وفلسطين، تكفي للدلالة على بشاعة النازيين الجدد الذين تفوقوا على نازية هتلر. وإذا كنا قد اعتدنا أن نتابع مايجري في فلسطين المغتصبة من أعمال قتل وتخريب يوميا (وكان آخرها أمس ضرب مؤسسات مدنية منها وزارة الاقتصاد الفلسطينية) فإن الجديد الآن هو جرائم الجيش الاسرائيلي النازي في لبنان.

بالامس، دمرت طائرات مجرم الحرب أولمرت 31 محطة وقود، وقصفت المدنيين في 25 قرية لبنانية في منطقة صور والساحل الجنوبي اللبناني، وعزلت كافة مناطق الجنوب بعضها عن بعض بتدميرها الجسور المؤدية إليها. وعلى الطريقة النازية، أطلق جيش أولمرت الإرهابي انذارات إلى سكان بلدة «مروحين» الجنوبية بمغادرتها وهدد بتدميرها عن بكرة أبيها.

وحتي ظهر أمس كان قد سقط حوالي ستين لبنانيا شهيدا، منهم 15 غالبيتهم من الأطفال، قتلهم صاروخ اسرائيلي كان مصوبا على الحافلة الصغيرة التي أقلتهم بعد أن فروا من بلدتهم في الجنوب. والدمار ليس قاصرا على الجنوب، بل يمتد الى شرق وشمال لبنان الشقيق. فقد أغارت الطائرات الاسرائيلية على سد مائي ومحطة توليد كهرباء في الشمال وقصفت منطقة الهرمل على الحدود السورية ومحيط أكبر مخيم في لبنان.

مثل تلك الجرائم ارتكبت في صباح أمس فقط وهي «عينة» مما حدث في اليوم الرابع بأيدي قتلة تل أبيب. والعدوان مازال مستمرا ويزداد بشاعة كل ساعة. والهدف واضح. وربما كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي صدمه مارأى بل وربما هو الوحيد من زعماء العالم الذي استفسر عما يحدث في أسى وغضب، عندما تساءل حول ما اذا كانت الرغبة الاسرائيلية هي تدمير لبنان.

نعم، ان الرغبة هي بالفعل تدمير هذا البلد العربي الغالي الذي لم يكن قد تعافى من ويلات حرب أهلية دامية كانت لاسرائيل بصمتها الأولى فيها. ولأننا نعيش في زمن الانكسار، فأقصى مانطلبه من ذلك الكيان الصهيوني الذي يمارس ارهاب الدولة ليلا ونهارا، هو مجرد «هدنة» ووقف لإطلاق النار. وهي مطالب مرادفة لعبارة مخففة ومهذبة صارت «موضة» سياسية يستخدمها من يتخوفون من إغضاب أحد، ألا وهي عبارة «ضبط النفس»!