إذا لم تبادر مراجع العراق من السنة والشيعة، وحكماء العراق من شيوخ العشائر، وعقلاء العراق من السياسيين الوطنيين على اختلاف توجهاتهم للعمل على وقف هذا النزيف الدامي لهذا المسلسل المؤلم في العراق، والذي يفوق أكثر المشاهد جنونا، فإن تدهوره وانزلاقه إلى الانتحار الأهلي لتدمير العراق، كل العراق، تحقيقا لأهداف أعداء العراق يبدو هو الأفق الداكن لكل أبناء وأطياف العراق.

إن المشاهد الأخيرة للفتنة المذهبية بالهجوم على المساجد الإسلامية السنية والشيعية، وقتل المصلين المسلمين من سنة وشيعة العابدين لله الواحد، والمواطنين العراقيين الشركاء في الوطن الواحد، والهجمات العدوانية الغامضة التي تقوم بها عناصر مجهولة غالبا ومعلومة أحيانا أخرى على الأحياء الشيعية مرة والسنية مرة، لا يمكن أن تكون عملا إسلاميا ولا عراقيا ولا أخلاقيا ولا إنسانيا.

ولأنه لا يمكن أن يغيب عن علم عالم مسلم أو عن فكر مفكر سوي، أو عن عقل سياسي مسؤول، من الذي يقف وراء تفجير هذه الفتنة المدمرة، ومن المستفيد من قتل العراقي لأخيه العراقي، وقتل المسلم لأخيه المسلم، وإشعال الفتنة الطائفية، لهذا ينبغي تكاتف جهود كل مسلم حقيقي سني وشيعي، وكل عراقي عربي وكردي، وكل مثقف وطني أيا كان توجهه السياسي، للسعي لمحاصرة نيران الفتنة، والحوار ثم الحوار طريقا لاحتواء الحريق.

إنه لا أحد في العراق أو في محيطه الإقليمي أو في الوطن العربي أو في الأمة الإسلامية، لا يدرك تمام الإدراك أهداف المخططات الجهنمية الحاقدة الشريرة التي يدبرها أعداء العراق والعرب والمسلمين، بهجمات متعددة الجبهات، ومختلفة العناوين، وخبيثة الأهداف، وبالتالي فلا أحد من هؤلاء يمكن أن يسمح باستكمال مسلسل تدمير العراق، وهدر دماء شعبه، بأيدي أبنائه، بعد أن بدأ بأيدي أعدائه المحتلين.

ولأنه لا أحد من المسلمين ولا العرب والعراقيين إلا ويتملكه الشعور بالألم العميق على ما يشهده العراق من شبح فتنة مذهبية، أو اقتتال أهلي - لا سمح الله - تهدد بحرق الأخضر واليابس إذا سمح لها بالاشتعال بين أبناء الدين الواحد وشركاء الوطن الواحد، فإن دعاء المخلصين على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم، وندائهم لكل المخلصين من أبناء العراق، هو تدارك مخاطر هذا الانزلاق.

إننا ندرك أسبابا موضوعية للتباين والاختلاف المذهبي والقومي والسياسي يمكن أن تجعل من هذا التعدد سببا أو وقودا لمن يريدون إشعال الفتنة، ولكننا جميعا ندرك أن شعب العراق قبل الاحتلال عاش بكل هذا التعدد في ظل التوحد الذي لم يسمح لأن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه اليوم وما تنذر بما يمكن أن تصل إليه غدا في ظل ما يجري الآن من مخاطر مخيفة.

ومهما كان من ظلم وظلام الأمس، ومهما كان من شعور بالمرارة من خلافات الأمس، فإن الشعوب الحية لا يمكن أن تسمح لنفسها أو يسمح لها عقلاؤها أن تغرق نفسها في بحور من الدم تصفية لحسابات سياسية قديمة، أو أن تستدرج إلى معارك ثأرية عقيمة عندما تواجه تحدي الاحتلال، وتحدي بناء الديمقراطية، وتحدي إعمار ما دمره الأشرار.

إن الجرح النازف في العراق في ظل الاحتلال الأميركي، والجرح النازف في فلسطين في ظل الاحتلال الصهيوني، هما جبهتان لحرب واحدة، لا تستهدف العراق وحده ولا فلسطين وحدها، وإنما تستهدف تقرير مصير الأمة كلها، وهذه ليست مبالغة أو كلمات بغير مضمون، وإنما هي الحقيقة التاريخية والجغرافية والاستراتيجية التي توجب على العرب والمسلمين إدراك أن الأمن العربي والإسلامي يبدأ من القدس ويمتد إلى بغداد،

وأن الحل الوحيد في العراق كما هو الحل الوحيد في فلسطين لا يمكن أن يتحقق إلا بتحرك عربي وتضامن إسلامي لدعم نضال شعب فلسطين ونضال شعب العراق، ولا يمكن ذلك دون وحدة وطنية حقيقية تقوم على قاعدة الوفاق الوطني بين كل القوى، ولا وفاق يمكن أن يتحقق إلا بالحوار الوطني،

ولا حوار يمكن أن ينجح مع الإقصاء لقوة من القوى الوطنية، أو مع الإصرار على فتح ملفات الثارات، أو انتهاج طريق تصفية الحسابات. فالمصالحة الوطنية لا يمكن أن تعني إلا التسامح الوطني والارتفاع فوق الجراح والأحقاد والمرارات، والانتقال بالتعدد إلى برنامج وطني للتوحد.

حفظ الله شعب فلسطين.. وحفظ الله شعب العراق.

mamdoh77t@hotmail.com