ليل الجمعة الفائت السابع من يوليو، تجمع أكثر من ألفي كويتي في ساحة الإرادة الواقعة أمام مجلس الأمة على شاطئ الخليج العربي، بالقرب من «نقعة الصقر». المكان فيه عبق من تاريخ الكويت، فالنقعة (وتعني المرسى والميناء الصغير) تحكي تاريخ الكويت يوم أن كانت مركزاً تجارياً يعتمد أهلها على نقل البضائع وعلى صيد اللؤلؤ، إنها تحكي عن نشأة مدينة أحسنت استغلال موردها الوحيد

وهو موقعها الجغرافي لتتحول إلى كيان سياسي مزدهر جلب إليه الباحثين عن فرص الحياة فضلاً عن الأمن والأمان قبل أكثر من قرنين من تفجر الذهب الأسود من باطن أراضيها. وتمثل هذه النقعة اليوم محاولة الكويتيين العودة إليـ أمجادهم التجارية السابقة محملين بذخيرة جديدة كان آباؤهم محرومين منها، وهذه الذخيرة هي الفوائض النفطية التي بإمكانها إحداث نقلة جديدة بعد نقلة الستينات والسبعينات.

والتجمع كان تجمعاً حضارياً راقياً نظمه شباب «نبيها 5» المتشحين بالبرتقالي تعبيراً عن تطلعهم نحو التغيير والتطوير. وحضر التجمع مجموعة من النواب الذين فازوا للتو في الانتخابات، بعضهم أعيد انتخابه والبعض الآخر يدخل إلى قبة البرلمان للمرة الأولى.

وممن حضروا من كانت أوزانهم الانتخابية ثقيلة، إذ حققوا نجاحاً باهراً كالنائب مسلم البراك وأحمد السعدون وعادل الصرعاوي وأحمد لاري وغيرهم. ووجودهم بحد ذاته، برصيدهم الانتخابي من حيث عدد الأصوات التي حصلوا عليها،

كان يرسل رسالة واضحة بضرورة تفهم مزاج الشارع في تشكيل الوزارة وفي أولوياتها وعلى رأسها إصلاح نظام الدوائر الانتخابية وإبعاد وزراء التأزيم. وقد غاب عن ذلك التجمع الشعبي ممثلو الإخوان المسلمين والسلف، الذين تفرقت بهم السبل مع حلفاء الأمس، إذ بالنسبة إليهما فقد آن قطاف مشاركتهما للتحرك الشعبي والدخول ضمن تحالف التسعة والعشرين نائباً.

وقد حقق التجمع بعضاً من أهدافه، حيث غاب ما اصطلح على تسميتهم بوزراء التأزيم من التشكيلة الجديدة التي ضمت ثلاثة وزراء يدخلون الوزارة للمرة الأولى فضلاً عن تبديل حقائب ثلاث وزارات أخرى. والوزارة الحالية التي هي برئاسة الشيخ ناصر المحمد هي الوزارة الثالثة والعشرون منذ استقلال الكويت في العام 1961.

وقد سبقت تشكيلة تلك الوزارة مشاورات عديدة خرجت على ما اعتادت عليها المشاورات السابقة، إذ توسع المحمد فيها لتشمل القبائل والطوائف والعائلات والجماعات القرابية مما وضعه موضع النقد الشديد من كتاب الزوايا والمقالات. وكانت باكورة عمل التشكيلة الجديدة في اجتماعها الأول يوم الثلاثاء تبنيها لمشروع الدوائر الخمس وإلغاء جميع الفوائد والأتعاب المفروضة على شريحة واسعة من المتقاعدين يبلغ عددها 10800 متقاعد بكلفة 450 مليون دينار كويتي.

ولم تزد مقاعد النساء بهذه الوزارة إذ احتفظت الدكتورة معصومة المبارك بمنصبها بتدويره لتصبح وزيرة للمواصلات. ويبدو أن أداء المرأة المتواضع في الانتخابات السابقة، حيث لم تشارك فيها سوى 35% من اللواتي يحق لهن التصويت، كان السبب في عدم زيادة حصتها في التشكيلة الجديدة. ومن الغريب أن تصويت المرأة كان عاملاً أساسياً في إنجاح عشرين مرشحاً لعل أبرزهم السلفي علي صالح العمير الذي حصل على 2324 صوتاً نسوياً مقابل 1420 صوتاً من الرجال.

ومن الجدير بالذكر أن هذا النائب يترشح للمرة الأولى في دائرته التي شاطره الفوز بمقعدها النائب أحمد السعدون. واللافت في نمط تصويت النساء هو استخدامهن للصوت «الأعور»، وهذا اصطلاح خاص بالحياة النيابية في الكويت معناه التصويت لمرشح واحد بدل مرشحين. وتعتبر هذه الانتخابات الأكثر في استخدام مثل ذلك التصويت، فقد بلغ عدد تلك الأصوات 49 ألف صوت أعور، 26356 صوتاً منها كانت لنساء بنسبة أكثر من 53% مقابل 22813 صوتاً للرجال بنسبة أكثر قليلاً من 46%.

وجاءت معركة رئاسة مجلس الأمة للسنوات القادمة عكس التيار الشعبي العارم الذي أفرزته نتائج الانتخابات، إذ صوت 36 نائباً ووزيراً للخرافي، في حين حصل السعدون على أصوات 28 نائباً وكانت هناك ورقة واحدة بيضاء، ليكون العدد الكلي 65 نائباً ووزيراً. وقد دارت في الأيام القليلة الماضية مناقشات حامية على صفحات الجرائد وفي الدواوين حول الحكمة من دخول الوزراء في عملية اختيار رئيس مجلس الأمة،

وكان ثمة صوت قوي يدعو الحكومة إلى النأي بنفسها عن تلك العملية وترك النواب (وهم منتخبون من الشعب) يختارون رئيسهم. ويبدو أن الذي رجح كفة الخرافي إلى جانب 16 صوتاً لوزراء الحكومة والآخرين المؤيدين لها والذين أسموا أنفسهم «بالأزرق» في مقابل «نواب البرتقالي المعارضين»، أقول، إنه بالإضافة إلى أولئك، يبدو أن الحركة الدستورية (الإخوان المسلمون) ونواب السلف قد منحوا أصواتهم لجاسم الخرافي.

ووجود النائب أحمد السعدون في صفوف النواب وليس على منصة الرئاسة يعني ترؤسه للمعارضة البرلمانية، التي توسعت قاعدتها بين النواب فضلاً عن تمتعها بدعم شعبي لا يستهان به. من الواضح من تركيبة المجلس الحالية أن الحياة النيابية في الكويت قد دخلت منعطفاً نوعياً جديداً نحو التطور وتفعيل مواد الدستور، والتخلص من تلك السلبيات التي شابت العملية الديمقراطية في الكويت خلال العقود الأربعة ونيف.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com