هل يستطيع المجتمع الدولي أن يردع العدوان الإسرائيلي الذي امتد من فلسطين المحتلة إلى أرض لبنان الشقيق؟ من المفترض أن المجتمع الدولي تمثله منظمة عالمية هي منبر العدالة والشرعية الدولية، وأهم هيئاتها وهو مجلس الأمن الدولي المسؤول عن حفظ الأمن والسلم الدوليين ومعاقبة كل من ينتهك القوانين الدولية التي قامت عليها المنظمة الدولية.
ولكن للأسف، يبدو هذا الصرح العالمي الذي أسسته القوى العظمى في أعقاب الحرب العالمية الثانية لردع أي عدوان على أي دولة، صار بنياناً هشاً وهزيلاً، عاجزاً عن ردع أي عدوان عسكري، وعاجزاً عن القيام بأهم مهامه وهو حفظ الأمن والسلم الدوليين. حتى أضعف الإيمان، وهو إصدار بيان يدين أو حتى يلوم من يرتكب عملاً مخالفاً للشرعية الدولية، نادراً ما يتوافر في الأمم المتحدة ومؤسساتها.
ما حدث أمس الاول داخل مجلس الأمن، يؤكد ذلك العجز الدولي بفعل التواطؤ الأميركي. فالعدوان الإسرائيلي الإجرامي الواضح وضوح الشمس أمام المجتمع الدولي على الشعب الفلسطيني، عجز مجلس الأمن عن ردعه أو حتى لومه أو عتابه.
مشروع القرار الذي قدمته قطر الشقيقة إلى المجلس باسم المجموعة العربية، أحبطته الولايات المتحدة بسلاح الفيتو الذي تملكه والذي به تردع كل من تسول له نفسه التعرض لإسرائيل أو التطاول عليها أو حتى معاتبتها! المشروع طالب إسرائيل بإطلاق سراح 64 مسؤولاً فلسطينياً معتقلين لديها، وإنهاء التوغل الإسرائيلي المستمر منذ أكثر من أسبوعين في قطاع غزة.
وحاولت إسرائيل في البداية قبل التصويت عليه ومعها الولايات المتحدة، حشد إمكانياتهما بقوة لإجهاض مشروع القرار أملا أن يتم إسقاطه بدلاً من استخدام الفيتو الأميركي، ولكنه حظي بموافقة عشر دول في المجلس من بين أعضائه ال15، حصل على عدد يفوق الأصوات المطلوبة لصدوره، ومع ذلك أشهرت الولايات المتحدة سلاح الفيتو، الذي استخدمته أكثر من 30 مرة على مدى ستة عقود لصالح إسرائيل.
وهكذا يبدو مجلس الأمن وكأنه تخلى عن مسؤولياته في الدفاع عن أرواح المدنيين ولاسيما النساء والأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة، على حد تعبير القائم بأعمال الوفد الدائم لقطر في الأمم المتحدة مطلق القحطاني الذي قدم المشروع إلى المجلس نيابة عن العرب،
والذي أكد أن المشروع متوازن، ومع ذلك لم يتمكن المجلس من تمريره لأسباب لا تخفى على أحد. ولعل أهم ما قاله القحطاني أيضاً أن عجز مجلس الأمن عن التدخل في إيقاف الوضع المتدهور في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لن يفاقم الصراع أو يطيل أمده فحسب، بل سينجم عنه التشكيك في مصداقية مجلس الأمن في تنفيذ أحكام القانون الدولي.
والآن إلى جانب مأساة الشعب الفلسطيني الذي يتعرض يوميا لأبشع أشكال العدوان، هناك مأساة أخرى يصنعها مجرمو الحرب الإسرائيليون فوق أرض لبنان. ولنترك شاهدا غير لبناني أو عربي يفضح ما يحدث. فالصحافي البريطاني روبرت فيسك شاهد من بيته في بيروت بشاعة الغارات الإسرائيلية، وضرب مثلا عليها من خلال ما رأى.
فقال: «ألقت إحدى الطائرات الإسرائيلية قنبلة على منزل يسكنه إمام مسلم، وقتل على الفور هو وزوجته وثمانية من أبنائه. وأحد الأطفال قطعت رأسه. وكل ما تم العثور عليه من جثة رضيع في سنوات عمره الأولى هو رأسه وصدره، وبعد ذلك ـ ومازال الكلام لفيسك ـ انتقلت الطائرات إلى منزل آخر في قرية الدوير، وقتلت عائلة أخرى من سبعة أفراد».
هكذا يفعل الإسرائيليون في لبنان ما يفعلونه في فلسطين المغتصبة. وبالطبع لم يكن أمام لبنان الجريح سوى اللجوء إلى مجلس الأمن لإصدار قرار يدعو إلى هدنة وإيقاف الهجمات الإسرائيلية. ولكن من الصعب أن نقول إن المجلس سيكون قادرا على ردع أو منع العدوان. وما حدث ليلة أول أمس على يد الولايات المتحدة الأميركية في مجلس الأمن بشأن العدوان على غزة دليل على التواطؤ الدولي في التصدي لإسرائيل.