لا شيء خارج المألوف والمتوقع.. هكذا تتصرف اسرائيل دائما.. لان القوة تخدعها ، لكن ما لا تفهمه منذ ان كان جيشها القوي يجري وراء اطفال الحجارة الى حين استنفار قطاعات الجيش ودعوة الاحتياط لضرب غزة والمدن اللبنانية على اثر اسر ثلاثة من جنودها انها اليوم في المأزق ذاته الذي وضعت فيه عملية السلام لما تهربت منها من اجل ان تحتفظ بالاراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية المحتلة.
كانت اسرائيل امام نموذج رفيع للكيفية التي تنتهي بها الحروب والصراعات حين عقدت اتفاقية سلام مع مصر ثم مع الاردن وكانت على وشك ان تتفق مع بقية الاطراف وخاصة الفلسطينيين لولا ان القوى المتطرفة لطخت نشيد السلام بدم رئيس الوزراء الراحل اسحق رابين ووضعت حدا فاصلا بين مرحلتين في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي.
دعونا الان نذكر الجميع بان جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين حين اوضح بان القضية الفلسطينية هي الاكثر خطورة على امن واستقرار منطقة الشرق الاوسط والسلام العالمي ، وكان ذلك في اوج الحرب على العراق فانه اراد ان ينبه من خطورة ردود الافعال التي تخلقها السياسة الاسرائيلية لدى الرأي العام العربي والاسلامي ، وانه اذا كان العالم يريد معرفة الاسباب التي تغذي الارهاب الدولي فعليه ان يتوقف مليا امام ما يجري الان في الاراضي الفلسطينية واللبنانية على حد سواء ليرى كيف يعمل العنف في جميع الاتجاهات وعلى المستوى ذاته من الشراكة في خلق واقع جديد خطير في هذه المنطقة.
ولو سألنا من يتحمل مسؤولية هذا الوضع فسنسمع اجوبة متناقضة تحمل في طياتها مبررات كل طرف ، ولكن حين يقول الرئيس الاميركي جورج بوش الذي تقود بلاده خطة خريطة الطريق التي مزقتها اسرائيل بعد قليل من التوقيع عليها «ان من حق اسرائيل ان تدافع عن نفسها» وحين ينتقد الاتحاد الاوروبي» استخدام اسرائيل المفرط للقوة «فان تلك التعابير توحي لاسرائيل بان احتلالها للاراضي العربية ليس موضع نقاش ، بل ان توجيه اصابع الاتهام لدول في المنطقة بالمسؤولية عن عملية حزب الله الاخيرة يدفع الى توسيع نطاق العمليات العسكرية «الانتقامية» لتصير حربا تشمل الاقليم كله.
من يستطيع الان اجبار اسرائيل على وقف جنونها في غزة وفي لبنان ، ومن يستطيع ان يقنع المنظمات الفلسطينية واللبنانية باعادة جنودها اليها على اعتبار ان هذا هو الحل المناسب للمأزق الراهن ، لقد كان زعيم حزب الله وقادة حماس والمنظمات الفلسطينية الاخرى يدركون اهمية العمليات التي قاموا بها ، وكانوا يعرفون رد الفعل الاسرائيلي قبل وقوعه ، وهذا يعني ان دفع التطورات نحو هذا المأزق لا يأتي من فراغ ، وان الاحداث مفتوحة على احتمالات كثيرة.
مرة اخرى نحن في الاردن نقول ان ما يجري خطير جدا وانه يقلل فرص السلام التي يكمن فيها الحل طال الزمن ام قصر ، ونعاود ايضا بان جلالة الملك لا ييأس من الاتصالات مع الاطراف المعنية والقوى الدولية لاستبدال لغة السلاح بلغة الحوار السلمي .
والذين لا يصغون الينا الان سيدركون لاحقا انهم هدروا كثيرا من الدم ، وضيعوا كثيرا من الفرص المتاحة لصنع السلام العادل والشامل ، ومع علمنا بان القيادة الاسرائيلية لا تسمع فاننا نقول لها هناك فرصة ممتازة لاجراء مقارنة بين المرحلة التي اعتمدت خلالها مبدأ التفاوض السلمي مع الاطراف العربية وبين هذه المرحلة التي حصرت فيها العلاقة مع منظمات تستمد شرعيتها من شرعية حقها في مقاومة الاحتلال ، ولتقل لنا بعد ذلك ما هي قيمتها الحقيقية في معادلة الشرق الاوسط.