قررت حكومة ولاية أعالي النيل في الأيام الماضية منع لبس الحجاب بالنسبة للطالبات في المدارس الحكومية، وأدهشني القرار ليس فقط لمخالفته نصوص الدستور الانتقالي واتفاقية السلام الشامل ولكن لأني ظننت أن حكومة أعالي النيل وكل حكومات جنوب السودان قد ورثت تركة مثقلة من المشكلات الأمنية والخدمية والاقتصادية والإدارية تحتاج معالجتها لسنوات عديدة حتى لو توفرت لها الإمكانات المادية والبشرية.

فكيف استطاعت حكومة ولاية أعالي النيل أن تتجاوز كل تلك المشكلات العسيرة وتفرغ نفسها لإصدار قرار مثير للجدل حول لبس حجاب الطالبات؟ ولو أخذنا مشكلات التعليم فقط مثالا، لأنها لصيقة بمسألة حجاب الطالبات، هل استطاعت حكومة أعالي النيل أن تحل مشكلة بناء المدارس وصيانتها وتأثيثها (ما زالت ولاية الخرطوم الغنية عاجزة عن إجلاس كافة التلاميذ على كنبات الخشب المتواضعة)، وأن توفر العدد الكافي من المدرسين المدربين،

وتوفر الكتب والمعدات المدرسية الأساسية دعك من معدات التربية الرياضية والفنية ومختبرات العلوم؟ ستحتاج الولاية إلى سنوات قبل أن تحل تلك المشكلات بقدر معقول يواكب أوضاع التعليم في بقية أنحاء السودان. إذن لماذا تضيع حكومة أعالي النيل وقتها المزدحم في مسألة حجاب الطالبات بدلا من أن تصرفه في معالجة القضايا الأساسية للعملية التربوية؟ ذاك أمر يدعو للدهشة والتساؤل، بل والى سوء الظن بدوافع أولئك الذين يقفون خلف القرار!

ومن الناحية السياسية والقانونية فان القرار يخالف نصا وروحا اتفاقية السلام الشامل التي أصبحت جزءاً من دستور السودان الانتقالي، وهي تلزم حكومة أعالي النيل كما تلزم كل مستويات الحكم في البلاد. وتنص الاتفاقية على أن السودان بلد متعدد الثقافات والأعراق والعناصر والأديان واللغات، واتفق طرفا الاتفاقية على حرية الاعتقاد والتعبد لاتباع كل الأديان والمعتقدات والأعراق (ومن المعلوم أن لبس الحجاب للمرأة المسلمة من الواجبات الشرعية التي تتعبد بها)،

ولا يجوز التمييز في مواجهة أي فرد بسبب ذلك. وتكرر هذا المعنى بصورة أكثر دقة وتفصيلا تحت بند العاصمة القومية، فلماذا اختارت حكومة أعالي النيل أن تواجه الطالبة التي ترغب في التعبد بلبس الحجاب؟ وقد أثار أعضاء الحركة الشعبية ضجة كبيرة حول دستور العاصمة القومية بحجة أنه تجاهل التنوع الثقافي والديني، وتوصلوا بعد جهد إلى تسوية مقبولة للطرفين. لماذا إذن تتجاهل الحركة الشعبية مبدأ التنوع الديني والثقافي في حالة المسلمين بالجنوب؟

اذا كانت الحركة تدفع بأن التنوع الثقافي يسمح لامرأة غير مسلمة في أطراف العاصمة القومية أن تصنع وتبيع الخمور البلدية، رغم ما يجره ذلك أحيانا من شجار ونزاع يصل إلى حد القتل أو الأذى الجسيم، فلماذا لا يسمح ذلك التنوع لطالبة مسلمة في الجنوب بأن تغطي رأسها بقطعة قماش؟ لقد كانت الأحادية الثقافية من أهم أسباب شكوى عناصر الحركة الشعبية من حكومات الخرطوم، فلماذا تريد أن تفرض ثقافة واحدة على كل أهل الجنوب؟

وقد سال حبر كثير على صفحات الجرائد أيام معركة دستور العاصمة القومية من بعض الكتاب العلمانيين واليساريين انتصارا للتنوع الثقافي، فما بالهم يصمتون حين يكون التنوع الثقافي في جانب المسلمين بالجنوب؟ إن هذا الصمت يقيم الحجة عليهم أنهم ليسوا أصلاء في الدفاع عن مبدأ التنوع الثقافي. أما حكومة الإنقاذ «الإسلامية» فقد نفضت يدها من نصرة المسلمين في الجنوب فلم تطالب بإنشاء مفوضية لحماية المسلمين هناك مثلما اشترطت الحركة قيام مفوضية لحماية غير المسلمين في العاصمة القومية، ولم تسع لإشراكهم في حكومات الجنوب ولو عن طريق حصة المؤتمر الوطني في السلطة،

وباعت قبائل المسيرية في منطقة أبيي باتفاق أعوج حول رسم حدود المنطقة سلمته للجنة الخبراء الأميركية، وعندما وقع الفأس على الرأس بدأت تبحث عن مبررات الخروج على الاتفاق، وتسكت عن تعويض المسلمين الذين قتلوا ونهبت ثرواتهم في مدن الجنوب بعد مقتل جون قرنق. ويعجب المرء من حكومة تقدم كل تلك التنازلات الكبيرة الظالمة للمسلمين، وتستميت في التمسك بوزارة الطاقة وبحصتها الكاملة في قسمة السلطة التشريعية والتنفيذية، بل وباحتفال بعيد السلام في شمال البلاد في يوم معين اختارته بصورة أحادية لأنه قريب من يوم انقلابها في الثلاثين من يونيو، وعز عليها أن يضيع الاحتفال بيوم التمكين!

لقد أثبتت تجارب الحكم السابقة في السودان أن الاعتراف بالتنوع الثقافي والمشاركة في السلطة والثروة لكل أقاليم السودان والتحول الديمقراطي الذي يسمح بالتداول السلمي للسلطة هي أساس وحدة السودان واستقراره السياسي، وينبغي على كل القوى السياسية الواعية ومنظمات المجتمع المدني أن تحرص على تثبيت تلك المبادئ في كل أنحاء البلاد دون ازدواج في المعايير حسب الرغبة أو المصلحة العاجلة، ولن يستقيم حكم في السودان دون الالتزام بتلك الأسس المتينة.

كاتب سوداني