لم تترك إسرائيل أي شيء إلا وقامت به ضد الفلسطينيين، قتل للأطفال والكبار والشباب والأجنة في الأرحام، قتل للذكور والإناث، تدمير إجرامي عنصري لبنية الحياة المدنية يشمل مقار الحكومة والوزارات والجسور والمستشفيات والمدارس والجامعات ومحطات الكهرباء وسيارات الإسعاف ووسائل النقل المختلفة، اغتيالات يومية مقصودة، حصار مرير وضار وهمجي لأنشطة الحياة اليومية العادية يشمل البر والبحر والجو، تلذذ بالتعذيب اليومي للفلسطينيين يتعمد الإهانة والتحقير والنيل من أبسط متطلبات الكرامة الإنسانية،
رغبة لا تكل ولا تمل من أجل إزالة الفلسطينيين من الوجود، محو التاريخ والبيوت والأشجار والذكريات والحكايات والأسماء، إخفاء الوجوه وسجنها، وحشو المعتقلات بالأسرى الذين لم يستنشقوا الهواء الطلق ولم يروا الشمس ولم يستشعروا أشعتها منذ عقود طويلة. لا توجد دولة في العالم المعاصر، باستثناء أميركا، مارست هذا القدر من القتل اليومي على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان مثلما فعلت إسرائيل، ومازالت تفعل ضد الفلسطينيين.
لقد أصبح القتل جزءاً لا يتجزأ من بنية المجتمع الإسرائيلي المعاصر، سواء على مستوى الممارسات البربرية التي يمارسها الجنود الإسرائيليون، أو على مستوى التصور الذي تنطوي عليه العقلية الإسرائيلية. فالمسافة بين الجندي الإسرائيلي وبين الشارع تلاشت تماماً، العدوانية التي يمارسها الأول امتداد لعدوانية الثاني والعكس أيضاً صحيح. يبدأ الإسرائيلي يومه بقتل الفلسطيني، وتمر ساعات يومه على صوت توديع المشيعين الفلسطينيين لقتلاهم،
كما لا يذهب إلى فراشه إلا على أصوات الفلسطينيين الممزوجة بالألم والصراخ والعويل. لا يوجد ضمير لدى الإسرائيلي، ولا يوجد محرك لحياته واستمرارها سوى ذلك الذي يثير فيه شهية قتل الآخر الفلسطيني. لا يؤمن الإسرائيلي بالسلام والتعايش، لكنه يؤمن فقط بقتل الفلسطيني والإبداع في عملية إفنائه وتعذيبه واقتلاعه من الوجود.
لم يعد القتل الإسرائيلي للفلسطينيين مسألة تتعلق بوقف «الإرهاب» أو العمليات الاستشهادية أو غيرها من تلك الادعاءات الفارغة التافهة التي صدعت بها إسرائيل آذاننا هي والإدارة الأميركية وأذيالهما في المنطقة، حيث تحول هذا القتل إلى أساس من أسس الدولة العبرية. ولا تختلف الدولة العبرية في هذا السياق عن ربيبتها أميركا، فكلاهما نشأ وظهر وتطور من خلال إبادة الآخر وقتله والتفنن في تعذيبه. ألم تقم أميركا بإبادة الهنود الحمر؟
ألم ينشأ التاريخ الأميركي مصحوباً بتلك المساحة الواسعة من القتل والتدمير للآخر الهندي البدائي؟ ألم يصاحب هذا التاريخ أميركا منذ بداياتها الأولى وحتى الآن؟ أليس ما تقوم به أميركا من قتل وتدمير في العراق وأفغانستان يتواصل مع ما قام به الأسلاف الأميركيون الأوائل ضد الهنود الحمر؟ أليس ما قام به الجندى الأميركي من اغتصاب للفتاة العراقية صغيرة السن وقتل وحرق أسرتها هو امتداد طبيعي لما قام به أسلافه تجاه العبيد السود المقموعين في الماضي؟
وهذا هو تاريخ الدولة العبرية أيضاً التي يشيد البعض بها ويتحدثون عنها بوصفها واحة للسلام وللديمقراطية، ولا يتحدثون عن إبادة الآخر الفلسطيني وقتله وتدميره في الوقت نفسه. يلتقي تاريخ الدولة العبرية الدموي مع تاريخ أميركا الأكثر دموية، حيث تنهال المساعدات المفرطة والسخية من جانب أميركا على إسرائيل، بما فيها الموافقة على قتل الفلسطينيين وتأديبهم.
لا تستطيع إسرائيل، كما الحال لدى أميركا، أن تنفصل عن بنية القتل هذه وتحقق قدراً ما من السلام والتسامح مع الآخرين؛ فجذور النشأة الأولى القائمة على القتل والإبادة تنتقل من جيل لآخر، لتحقق نفسها عبر عمليات القتل المتواصلة من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل بأشكال وتجليات جديدة.
لذلك فإن أكثر ما يزعج المرء هنا أن يتحدث الإسرائيليون عن قتل الفلسطينيين والعرب، ونتحدث نحن عن السلام وضروراته ومتطلباته. هم يتحدثون ليل نهار عن ضرورة قتلنا، وأهمية قمعنا، بينما نتحدث نحن عن ضرورات الحوار والنقاش. هم يضربوننا ليل نهار بالصواريخ ويهدمون بيوتنا ويتشفون في قتلانا، بينما نتحدث نحن عن ضرورة ضبط النفس وعدم الانجرار وراء الاستفزازات الإسرائيلية، أليس شيئاً يدعو للقرف أن يصبح القتل استفزازاً في العقلية العربية المعاصرة!!
هاجت إسرائيل وماجت بعد اختطاف الجندي شليط، دمرت الجسور وقتلت عشرات الفلسطينيين، واختطفت نصف حكومة حماس، وقيدت حركة أبومازن، واندفعت أميركا بكليتها من أجل العمل على الإفراج عن الجندي شليط، بل وانبرى بعض الوسطاء العرب بحمية لا نراها في مواقف أخرى من أجل العمل على إنقاذ الأسير الإسرائيلي، ورغم ذلك لم يتحدث أحد عن خسائر الفلسطينيين وقتلاهم وهمومهم وأحزانهم.
حينما تعبر بعض الأحزاب الأوروبية من أحزاب الخضر واليسار عن رفضها لما تقوم به إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، بينما ينبري بعض العرب من أجل العمل على الإفراج عن الجندي الإسرائيلي، فإن الأمر يصب في خانة الضعف والخنوع، إن لم يكن أكثر من ذلك! وحينما يخرج آلاف اليونانيين في تظاهرات حاشدة تضامناً مع الفلسطينيين، وتنديداً بالإجرام الإسرائيلي، ولا تتحرك الشعوب العربية فإن الأمر يعني أنها شعوب هامدة لا تتحرك، ولا تعلن عن نفسها، ولا تعي ما يدور حولها.
لا تنهزم الشعوب باحتلال أراضيها أو انهزام قواتها، تنهزم فقط حينما تخور قواها وتضعف وتجبن، وتصبح أذيالاً للآخر المهيمن الباغي. لم ينهزم الفلسطينيون تحت وطأة العدوان الإسرائيلي، بل يمكن القول بأن ماقام به الفلسطينيون ضد الجيش الإسرائيلي المدجج بكافة أسلحة الدمار، قد تجاوز ما قامت به بعض الدول العربية، التي ارتضت موقف الوسيط تجاه مسألة الجندي الإسرائيلي الأسير.
علينا أن نتحرر من الخوف تجاه إسرائيل، وأن نترك حديث السلام جانباً، فلا سلام بدون قوة ومنعة وعزة وكرامة. يمنحنا الفلسطينيون مثالاً حياً وجلياً على أن القتل قد يقتل البشر، لكنه لا يقتل الكبرياء، ولا ينهي قضايا التحرر والأوطان. فكما يستهين بنا الإسرائيليون، ولا يتحدثون عنا إلا في ضوء القتل والتدمير، يجب علينا أن نتحدث عنهم بمثل هذا الشكل، وبالدرجة نفسها من العدوانية، وإلا فليترحم علينا التاريخ، إذا كان التاريخ ينصف الضعفاء!
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com