ما يتعرض له الشعب الفلسطيني الأعزل، من جرائم على يد قوات العدو الإسرائيلي، هو بحد ذاته استمرار للتطهير العرقي الذي بدأ عام 1948 بإخراج الفلسطينيين من ديارهم، فكانت مسألة اللاجئين. وإذا كان هذا النوع من التطهير اتخذ شكل تهويد المكان ومن ثم الذاكرة الفلسطينية، فليس شرطاً أن يكون هذا مقتصراً على الأدوات الإسرائيلية المباشرة. غزة ومخيماتها تصلح أن تكون شاهداً آخر، وليس أخيراً على حرب ساخنة، بل ودموية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. كما تصلح لأن تكون أول الشواهد على تباشير مجازر شنيعة لأولمرت ، التي توحي بما هو أسوأ.

وفي الحالتين الشاهد مرٌّ، بل شديد المرارة وكارثي إلى الحد الذي يدفع إلى الاعتقاد، بأن المتاهة لا نهاية لها، والمستنقع دون قاع فالرسائل الإسرائيلية التي دمغت بدماء الفلسطينيين في الضفة وغزة، تبدو قاتمة وشديدة السواد في مرحلة صعبة، تتقاذفها التوقعات والاحتمالات والاستنتاجات، فيما الوقائع تكرس معطيات متناقضة، وتقود إلى تطورات هي الأخطر.

قد يكون النقاش في شرعية الاحتلال والجرائم الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، أمراً قد حسم، لأن الذرائع تساقطت، والأمم المتحدة أشهرت رأيها في عدم شرعيتها، لكن ذلك لم يحسم تداعيات تبدو في اللحظة الراهنة أكثر إلحاحاً، والمشهد الفلسطيني أحد أكثر التداعيات المثيرة التي تفتقد لمبرراتها، وتدفع بالأوضاع الفلسطينية إلى أتون صراع مفتوح.

لا أحد في العالم كان بمقدوره أن يشرع الاجتياح الإسرائيلي القادم، وقتل المدنيين ، وتعجز السياسة عن فهم مبرراته، في وقت ينفتح المشهد برمته على تجاذبات ستكون لها انعكاساتها وتأثيراتها على مستقبل فلسطين والمنطقة. فالاحتلال يولد المقاومة، والإمعان في القتل، ينتج التصميم والإرادة على المقاومة والنضال، والمشهد الفلسطيني، سبق له أن تكرر في الماضي، وهو كذلك في المستقبل، والأمثلة الحية في الضفة وغزة وباقي المخيمات والمدن الفلسطينية، وأماكن أخرى.. تحرك ذلك المشهد وتعيده.

لذلك مثلما سمعناعن اجتياح أول، سيتردد على أسماعنا اجتياح ثانٍ وثالث، وتعاد الكرة مرة أخرى. وفي الوقائع اليومية للاحتلال الإسرائيلي الذي يعالج الأمور بعنجهية ، والكارثة تداوى بكارثة أخرى، وتتوالى المشاهد في حلقة من التصعيد اللا متناهي..! ثمة استنتاجات متفائلة، كانت قد طفت على السطح بعد فوز حركة المقاومة الإسلامية حماس، والإعلان عن سلسلة تغييرات في إطار الوضع الفلسطيني وتبع ذلك تحليلات في رسم صورة مغايرة، لاتجاهات سياسة السلطة، بناءً على افتراضات يعتقد الكثيرون أنها خاطئة.

فالوقائع التي تحكم النوايا، تحدد إطاراً مختلفاً، وحتى مناقضاً لكل تلك التحليلات.. ولاسيما أن تلك الوقائع المتصلة باجتياح غزة وتوقيت ذلك الاجتياح يطرح هذه الرؤية المغايرة.. ويستبعد صور التفاؤل التي كانت مطروحة. من هنا كانت لغة الرسائل الإسرائيلية توحي بذلك الاستغراق في المستنقع وتعطي المبرر لتأكيد حالة الارتجال في مداواة جراح حصار وحروب أثقلت الشعب الفلسطيني، والبشرية والمجتمع الدولي بالكثير من التداعيات المؤلمة، بل وساهمت في تعميق تلك الجراح.

والأخطر من ذلك أن تكون غزة مثالاً ونموذجاً، وأن تتحول الرسائل الدموية التي تكتب فيها إلى معيار للتعاطي مع مشكلات الاحتلال التي تتفاقم. إن العالم المصدوم بتلك المجازر الأكثر بشاعة، وبتلك الممارسات الأكثر وحشية، يقف اليوم على مفترق خطير، حيث الخيارات تبدو محدودة والوقت لا يسمح بمزيد من الانتظار، خصوصاً أن شبح الاجتياح والحصار والموت المخيم على الآلاف، يضغط أكثر من أي وقت مضى.

وبالتالي لابد من وقفة مراجعة قبل أن يصبح انفجار الأوضاع، رهن أخطاء تتراكم. وإمعاناً في ارتكاب المزيد منها. بل وربما أشد خطورة على ممارسة الخطأ وبالأسلوب ذاته كما هو بالطريقة نفسها. متجاوزين عتمة الليل وسيل الدماء والمذابح والمجازر والجوع والعطش الفلسطيني والتهديدات المتوالية، فهل يدرك البعض أبعاد هذا الاجتياح القادم والمدمّر. لكي يتصرفوا وفق المصلحة الوطنية أم أننا سنشهد مزيداً من التهور والتراجع والتنازلات.. بما يسهم في إنجاح الخطط الأحادية الجانب الإسرائيلية.