عندما مات لويس الرابع عشر، راح الجميع يردد الصلاة المعتادة «مات الملك. عاش الملك الجديد». وهكذا كان عندما رحل آلان غرينسبان عن رئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بعد سنين طويلة، وتم تعيين بن بيرنانكي خلفاً له في الأول من فبراير الماضي. وبدأ محللو وول ستريت ومديرو المال ينشرون الشائعات بتساؤلهم:(هل سيقوم الدكتور بيرنانكي بوقف رفع أسعار الفائدة الرسمية في أميركا؟ أم سيتأنى، كما نأمل منه أن يفعل، من أجل أن يبقي الأرصدة الائتمانية في الولايات المتحدة سهلة بما يكفي لدعم أسعار الأسهم وتوليد الكثير من الوظائف الأميركية ذات الدخل العالي؟)
يميل المستثمرون المضاربون عادة إلى طريقة تفكير أقرب إلى التمني منها إلى المنطق. وطيلة الربيع ظلوا يرفعون سوق الأسهم استناداً إلى الآمال بأن تقوم البنوك المركزية في أنحاء العالم بتشجيع الازدهار العالمي عن طريق إبقاء السيولة الائتمانية في وفرة كبيرة. واختار هؤلاء أن يتجاهلوا ما ألمح إليه الدكتور بيرنانكي مراراً وتكراراً: من أن بنك الاحتياطي الفيدرالي سوف يؤمن باستهداف التضخم. ومن المؤكد أن تجاوز معدلات التضخم 2% سنوياً أمر غير مقبول. إذاً، وعندما يبدأ سعر نفط أوبيك الذي وصل إلى 70 دولاراً للبرميل بالتأثير في معدل تضخم الأسعار الاستهلاكية باتجاه مزيد من الارتفاع، فسوف تكون لنا ردة فعل، وبشكل حاسم.
وأخيراً تسببت تلميحات بيرنانكي بهبوط قوي في الولايات المتحدة والأسواق في الخارج. وهكذا تلاشت كل المكاسب السابقة في أسعار الأسهم والسندات المالية. ولذلك تحول التفكير المتفائل لدور البورصة إلى نغمة جديدة: من المؤكد، عندما تبدأ فقاعة العقارات السكنية بالانفجار،من المؤكد، عندما تصبح إحصائيات العمل الجديدة محبطة إلى هذا الحد، من المؤكد عندها أن بنك الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا وبنك اليابان والبنوك الأوروبية المركزية ستهب لنجدة الأسواق المرتعشة خوفاً.
ولابد لي من القول بأني أعتبر هذه الكلمات الواثقة «بكل تأكيد» ساذجة. والشيء المؤكد أكثر هو أن بيرنانكي سيفعل كل ما بوسعه لترسيخ مصداقيته ك«مستهدف للتضخم» لا يتغاضى بسهولة عن التضخم المفرط في الأسعار الاستهلاكية. وإذا كان على الدكتور بيرنانكي المجازفةً باقتراف خطأ في عامه الأول في رئاسة البنك، فأنه سيفكر بأنه سيكون من الأفضل لخدمة قضيته على المدى البعيد، إذا تمثل ذلك الخطأ في كونه متزمتاً أكثر من اللازم وليس مفرّطاً أكثر من اللازم.
لست خبيراً في العلاقات العامة. لكن من وجهة نظري كهاوٍ، فإن البنوك المركزية العصرية في كل مكان ستكون ناجحة بشكل أكثر موثوقية في معالجة فترات الركود الاقتصادي في المستقبل، إذا أظهرت في هذه الفترة أن أفعالها تدعم أقوالها بشأن استهداف التضخم. وأيضاً، فإن أولئك الذين لم يقتنعوا بالنهج المتزمت لاستهداف التضخم، ليس أمامهم سوى الأمل بتعلم المزيد، عن مناقب أو مساوئ ذلك النهج، من تجربة استهداف التضخم فعلياً بدلاً من استهدافه بالكلام فقط.
وهذه، إذن، توقعاتي للتأثيرات المرجحة لتشديد السياسات الائتمانية في أنحاء العالم، من نيويورك إلى لندن إلى طوكيو وأوروبا. وعادة، كلما كان هناك تعويم زائد في إنفاق استثمارات الأعمال وفي إنفاق استثمارات المستهلكين، يكون خيار رفع أسعار الفائدة الوصفة القياسية لتهدئة الاقتصاد. وهذا هو الوضع الطبيعي البسيط.
وما يواجهه بيرنانكي هذه المرة ليس وضعاً طبيعياً بهذه البساطة. فالآن، الأسباب الرئيسية للتهديد الجديد للتضخم تأتي من شرق أوسط أوبيك الغني بالنفط ومن شهية الصين للوجبات النادرة إلى حد الشراهة. ما الذي يعنيه هذا؟ يعني أن التزمت الإجمالي في السياسات الائتمانية ربما يتسبب هذه المرة في تقليص العمالة المحلية لكل مستوى من خفض التضخم يتم تحقيقه.
وباختصار، فإن شبح فترة التضخم والركود التي شهدها عقد السبعينات بسبب الهزات القوية في العرض بدأ، إلى درجة معينة، يطل بوجهه القبيح الآن. هذا هو الحظ العاثر للدكتور بيرنانكي. وقد يتضمن حظا عاثراً للاقتصاديات العالمية الحالية. لحسن الحظ أني استطيع القول انه سيكون حظاً عاثراً باعتدال فقط. لماذا؟ أنا واحد من هؤلاء الاقتصاديين العصريين الذين يعتقدون أنه في المستقبل لن تحدث أبداً تذبذبات كبيرة في دورات الأعمال، والاقتصاد لن يصبح عما قريب علماً دقيقاً محكوماً بقواعد ثابتة.
لكن السجل الموثق لشدة فترات الركود وتواترها في اقتصادنا المعولم في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا يبرر الإفراط في التشاؤم. ففي فترة الكساد الكبير 1929 ـ 1935، انهارت آلاف البنوك وأصبح حوالي ثلث العاملين في أميركا أو ألمانيا عاطلين عن العمل كلياً أو جزئياً. وأصبح هذا الآن شيئاً من الماضي البعيد. وحتى بعد نهاية الكساد الكبير، في سنة كساد مثل 1937، سجل مؤشر الإنتاج انخفاضاً حاداً وصل إلى 25 نقطة! وعندما بدأت في دراسة الاقتصاد، كانت سنوات الكساد تتواتر بنفس درجة تواتر سنوات الانتعاش. لكن هذه الحالة تغيرت بشكل جذري للأفضل في أنحاء العالم.
وخارج المجتمعات الجامدة مثل ألمانيا، فرنسا وإيطاليا، يواجه زعماء السياسات الاقتصادية العالمية اليوم اقتصاداً مروضاً أكثر من ذي قبل. هذا من بين الأسباب الواقعية التي تقف وراء الأداء الممتاز للدكتور آلان غيرنسبان خلال رئاسته لبنك الاحتياطي الفيدرالي على مدى 18 عاماَ. وهذا يفسر أيضاً لماذا لم يشهد أبنائي أبداً معدلات تضخم سنوية مرتفعة فوق العشرة في المئة كتلك التي كان يشهدها جيلي بشكل متكرر.
ويمكن للمرء أن يجازف في تنبؤ واحد. في أيام الإثنين والأربعاء والجمعة عندما يعبر بيرنانكي في تصريحاته العلنية عن القلق بشأن التضخم، سوف تنخفض أسعار الأسهم. وفي أيام الثلاثاء والخميس والسبت، عندما يتفوّه بكلمات مهدئة عن اعتدال مؤشر الأسعار، سوف يحقق المضاربون مكاسب قصيرة الأجل في رأس المال، لكن ما الشيء الجديد الآخر الذي يمكن للدكتور بيرنانكي أن يفعله؟
خدمة (لوس أنجلوس تايمز)
خاص لـ «البيان»