من يصدق أن أوروبا المليئة بالحريات الفردية والتسامح الديني حالياً كانت في يوم من الأيام متعصبة جداً وأصولية؟ هذا هو السؤال الأساسي الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم نحن المثقفين العرب. ينبغي أن نعرف كيف استطاعت أوروبا أن تنتقل من مرحلة العصور الوسطى ومحاكم التفتيش والحروب الطائفية أو المذهبية، إلى مرحلة الحرية والحداثة الفكرية والسياسية. ولكن هذه النقلة النوعية لم تنزل على أوروبا كهدية من السماء، وإنما كانت نتيجة معاناة شديدة ومخاضات هائلة. ولقد دهشت، بل وأصابني الذهول، عندما اطلعت على حجم المعارك الفكرية التي خاضها المثقفون الأوروبيون ضد الأصولية المسيحية على مدار ثلاثة أو أربعة قرون متتالية.
فمنذ أيام لوثر وإيراسموس والإصلاح الديني في القرن السادس عشر، إلى أيام كانت وهيغل وشيلنغ والفلسفة المثالية الألمانية في القرن التاسع عشر، مروراً بفلاسفة التنوير الكبار من أمثال سبينوزا ومالبرانش وبيير بايل وفولتير وديدرو وروسو ودالامبير، الخ... ما انفك فلاسفة أوروبا يصارعون التنين الأصولي المتحجر حتى انتصروا عليه في نهاية المطاف. وكان ذلك أكبر حدث تشهده البشرية على مدار تاريخها الطويل كله. وعنه نتجت كل هذه الحضارة الحديثة التي نشهدها اليوم.
عندما أطرح الأمور على هذا النحو يشعر المحافظون العرب بانزعاج شديد ويبتدئون بالهجوم على الليبراليين العرب. فهم لا يريدون أن يحصل عندنا ما حصل في أوروبا، بل يخشونه كل الخشية. وعندئذ يتعلقون بحجج واهية من نوع: هذه تبعية للغرب، نحن لا نريد تقليدهم والقضاء على خصوصيتنا وأصالتنا... وأجيبهم قائلاً: إنهم لم يتوانوا عن تقليدنا وترجمة علمائنا وفلاسفتنا وفي طليعتهم ابن رشد حتى لحقوا بنا وسبقونا. ولم يستمعوا إلى متزمتيهم ومحافظيهم الذين كانوا يحذرونهم من الأخذ عن المسلمين، أعدائهم التاريخيين. ولو أنهم استمعوا إليهم لظلوا يتخبطون في عمايات الجهل والتخلف.
وأنا أقول نفس الشيء الآن: لا تستمعوا إلى نعيق الذين بحجة الحرص على الأصالة والخصوصية سوف يخنقون العرب ويؤبّدون تخلفهم الحضاري والفكري. وأضيف قائلاً: لا بديل عن التعصب إلا التسامح، ولا بديل عن الجهل والظلامية إلا العلم والاستنارة الفكرية. وينبغي أن نأخذ العلم الحديث حيث وجدناه بدون أي تردد ثم نعرّبه ونستوعبه ونهضمه حتى يصبح جزءاً لا يتجزأ منا. فهنا يكمن مستقبل الشبيبة العربية، وإليه تصبو بشكل واع أو لاواع.
وعلى مدار التاريخ كان المتأخر هو الذي يقلّد المتقدم وليس العكس. فهذا قانون أنثروبولوجي، أي إنساني، كوني صالح لكل زمان ومكان. وربما كان المفكر العربي المسلم ابن خلدون أول من نصّ عليه بشكل واضح. ولذلك فإن اليابان لم تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام ما دامت منغلقة على نفسها ورافضة للانفتاح على الحضارة والتفاعل معها.
ولم تقلع حضارياً إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عندما انخرطت بكل نهم في ترجمة العلم الأوروبي. وكان ذلك على يد سلالة الميجي التي تعني باللغة اليابانية حرفياً: الحكومة المستنيرة. ثم استطاعت بعدئذ أن تلحق بالغرب، بل وان تتفوق عليه في بعض المجالات كما هو معروف. وهذا ما تحاول أن تفعله الصين حالياً، وكذلك الهند.
فهل يمكن للعرب، أو المسلمين بشكل عام، أن يظلوا على هامش البشرية؟ نعم لقد دفع فلاسفة أوروبا ثمن هذا التقدم الحضاري باهظاً. فديكارت كان ينشر كتبه دون توقيع خوفاً من ملاحقة الكنيسة له. وعلى الرغم من كل حذره، وحتى بعد أن هاجر إلى هولندا لكي ينجو من براثنهم اتهموه بالإلحاد. واضطر السفير الفرنسي إلى التدخل لكيلا يعتدي عليه أحد المتعصبين المهووسين. وأما سبينوزا الذي جاء بعده مباشرة فقد تعرض للاعتداء الجسدي بعد أن فقد إيمانه بالعقائد الدينية وخرج على طائفته ولم يعد يذهب إلى الكنيس للصلاة.
ولذلك هجم عليه أحد المتعصبين اليهود وطعنه بخنجر. ولكن لحسن الحظ فإنه كان يلبس معطفاً سميكاً ولذلك لم تصل الضربة إلى اللحم، أو قل إنها خدشته خدشاً بسيطاً. وقد حصل شيء مشابه لكاتبنا الكبير نجيب محفوظ. وبالتالي فالتعصب هو التعصب أينما كان. وأما فولتير فقد اضطر إلى النزول تحت الأرض، والاختفاء عن الأنظار، مرات عديدة عندما كانت تحمرّ عليه أعين اليسوعيين: أي الإخوان المسيحيين الأشداء.
وقد صدرت عن لويس الخامس عشر آنذاك عبارة رهيبة حيث قال في إحدى جلساته: ألا يوجد أحد لكي يُسْكِت هذا الرجل؟! وهذه العبارة إذْ تصدر عن ملك فرنسا تعني إذْناً ضمنياً بالقتل... ولذلك فإن فولتير اضطر إلى نشر كتبه بدون توقيع في أحيان عديدة خوفاً من الملاحقة. وقس على ذلك... بل واختفى في إحدى المرات ثلاثة أشهر دون أن يعرف أحد أين هو...
ولذلك فعندما أسمع اليوم بملاحقة المثقفين العرب من قبل الأصوليين وتخويفهم لهم أكاد أصرخ قائلاً: ما أشبه الليلة بالبارحة! فنفس الشيء الذي حصل في أوروبا قبل قرنين أو ثلاثة ويحصل عندنا الآن. نعم المعركة التي يخوضها المثقفون العرب اليوم من محمد أركون إلى صادق جلال العظم ونصر حامد أبو زيد، ومن محمد الشرفي والعفيف الأخضر إلى سيد القمني الذي أُخرس صوته مؤخراً في مصر إلى عشرات الآخرين هي ذات المعركة التي خاضها فلاسفة التنوير الأوروبي سابقاً.
ومن يتأمل في كلتا الحالتين يجد أوجه تشابه كبيرة وتقاطعات عديدة. ولذلك دعوت إلى الاستفادة من التجربة الأوروبية وتأسيس علم جديد في الساحة العربية هو: علم الأصوليات المقارنة، أو علم التنوير المقارن، أو الاثنين معاً. لقد فوجئت مؤخراً بالحملة الضارية التي شنها المتشددون المتطرفون على حسن الترابي لأنه تطلع إلى التجديد فطلع علينا بعدة فتاوى جريئة.
نذكر من بينها عدم تكفير أهل الكتاب من يهود ومسيحيين، ثم المساواة بين المرأة والرجل في المجتمع الإسلامي، ثم قضايا أخرى عديدة. فماذا كان جزاؤه على هذا الاجتهاد الذي يدخل المسلمين في العصر ويمنع صراع الحضارات؟ التنديد، والتشويه، والطعن في شخصه، إن لم يكن تكفيره! ومن أين يجيء هذا الهجوم؟ من جريدة «المعتدلين» في المغرب والتي تسمي نفسها: التجديد! لقد خصصوا صفحة كاملة من جريدتهم بتاريخ 12 يونيو الماضي للهجوم عليه. فإذا كان المعتدلون يفعلون ذلك، فما بالك بالمتطرفين؟
إذا استمررنا في تكفير جميع أمم الأرض وليس فقط تكفير اليهود والمسيحيين، فإننا عندئذ سوف ندخل في حرب لا نهاية لها مع أربعة أخماس البشرية: أي مع الهند، والصين، واليابان، هذا ناهيك عن أوروبا وأميركا... فهل هذا ما يريدونه لنا؟ أبهذا الطريق الضيق والجاهل نستطيع أن ندخل القرن الحادي والعشرين ونتخذ لنا مكانة مرموقة بين الأمم؟ أكاد أقول بأن هؤلاء الغلاة المتطرفين يسيرون بنا نحو هاوية خطيرة، هاوية عميقة لا قرار لها.فحذار أيها العرب والمسلمون فربما كان العدو في داخلكم أكثر مما هو خارجكم.وربما كان الجهاد الأكبر هو ما ينبغي أن ينال اهتمامكم.
كاتب سوري
باريس