الشعور بالكرامة يدفع الحكومات الحرة لممارسة استقلال الإرادة والدفاع عن السيادة الوطنية ولو مع الحلفاء أو الأصدقاء .. والحكومة المحترمة تحترم سيادة القانون وتحمي الأفراد من انتهاك القانون على حساب مباديء حقوق الإنسان، أي إنسان، في حماية قانونها ولو كان أجنبياً مقيماً على أرضها، وتحاسب المتجاوزين حتى لو كانوا يحملون جنسيتها وفي أعلى مواقع السلطة.

هذه هي الرسالة التي وجهتها إيطاليا ورئيسها «فرانسيسكو كوسيجا»، وحكومتها الحرة برئاسة «رومانو برودي»، إلى كل من يهمه الأمر في العالم، أميركيين كانوا أم أوروبيين، وعربا كانوا أم إيطاليين، عندما أصدرت السلطات القضائية أمرا بالقبض على رئيس الجهاز العسكري الإيطالي لمكافحة التجسس، لاتهامه بالتواطؤ مع عدد من عملاء المخابرات الأميركية لاختطاف مصري عربي مسلم يقيم في إيطاليا. لم تكتف حكومة « برودي» بذلك بل أصدرت أمر اعتقال ل22 من عملاء ال«سي.آي. إيه» الذين نفذوا عملية الاختطاف في الوقت الذي رفضت فيه السلطات الأميركية التعاون مع سلطات التحقيق الإيطالية في هذه القضية.

وربما أرادت إيطاليا بهذه الرسالة، وهي الحليف الرسمي لأميركا من خلال عضويتها في حلف الأطلسي، والشريك بقرار من حكومتها السابقة على عكس إرادة الشعب الإيطالي في غزو العراق أن سياسة الحكومة الإيطالية الجديدة في عهد «برودي» مستقلة وليست تابعة مثلما كانت الحكومة السابقة في عهد «بيرلسكوني» وان قرار الحكومة الجديدة بسحب القوات الإيطالية تدريجيا من العراق يعني أنها تنحاز إلى ما عبر عنه الشعب الإيطالي بمظاهراته الحاشدة، مرة برفض الحرب ومرة برفض تورط إيطاليا في هذه الحرب غير العادلة وغير المشروعة،

وأنها تختلف عن سياسة التبعية للسياسات الأميركية التي اتبعتها حكومتها السابقة، ويعنى أن إيطاليا اليوم ليست هي إيطاليا الأمس، ليس لأنها انتصرت على الحليفة الجديدة لأميركا في مباراة كأس العالم ولكن لأنها انتصرت في مباراة استقلال الإرادة، والانحياز لقواعد القانون الدولي والانتصار لمبادئ حقوق الإنسان.

والحكاية تبدأ مع الضغوط الأميركية على دول العالم الحليفة وغير الحليفة التابعة والمستقلة لفرض سياستها المثيرة للجدل في ما تسميه «التحالف الدولي للحرب على الإرهاب»، وليس هناك أحد في العالم يمكن أن يؤيد الإرهاب، باعتباره عملا إجراميا وعدوانيا على المدنيين الأبرياء، لكن الجدل حول هذه السياسة نبع من التعريف الأميركي الملتبس للإرهاب.

فبعد الحادي عشر من سبتمبر تداخلت الرؤى الأميركية، وغاب عن ناظريها الفصل بين الألوان ووقعت في التعميم المخل بالحقائق، فربطت بين الإرهاب والإسلام مرة وبين العرب والإرهاب مرة أخرى، بزعم دار جدل حوله، أن 19 عربيا ومسلما هم الذين دمروا مركز التجارة العالمي في نيويورك، وهم الذين هاجموا مبنى وزارة الدفاع الأميركية في واشنطن.

ومنذ ذلك الوقت وهى تعنى بالإرهاب «الإرهاب الإسلامي» و«الإرهاب العربي»، متجاهلة أن الإرهاب الذي وقع على مقر الحكومة الفيدرالية في «أوكلاهوما سيتي» لم يقم به عرب ولا مسلمون ولكن إرهابيون أميركيون، وأن الشبكة الإرهابية التي ألقت السلطات الأميركية مؤخرا القبض عليها، والتي كانت تخطط لتفجيرات إرهابية كانت كلها أميركية .

لم يهتز المنظار في عيون الإدارة الأميركية في ذلك فقط، بل سقط على الأرض حين اعتبرت أن الكفاح المشروع للشعوب لتحرير أي أرض عربية محتلة طبقا لما تنص عليه مواثيق الأمم المتحدة عملا إرهابيا، والأدهى من ذلك أنها اعتبرت جريمة احتلال أراضى الشعوب إسرائيليا، وجريمة غزو الدول ذات السيادة رغم إرادة ما يسمى بالشرعية الدولية أميركيا عملا دفاعيا في إطار ما يسمى «الحرب ضد الإرهاب»، فأصبحت ترى النضال إرهابا والإرهاب نضالا !

من هنا دفعت عملاءها في إيطاليا في عهد حكومة بيرلسكوني أولا بتحريض السلطات الإيطالية للتحقيق مع عالم إسلامي مصري يعمل إماما لأحد مساجد روما للاشتباه في قيامه بأنشطة إرهابية بالمنظور الأميركي، ولما لم توجد أدلة تدينه قامت بالتواطؤ مع بعض عملائها المخترقين للأمن الإيطالي باختطافه من إيطاليا إلى ألمانيا ومن ألمانيا إلى مصر، وجاء موقف حكومة برودى أنه بغض النظر عما إذا كان الرجل مشتبها أو بريئا، إلا أن ما جرى من قرصنة هو انتهاك لسيادة إيطاليا المستقلة لا يمكن لحكومة حرة في دولة القانون السماح به .. فيفا إيطاليا المستقلة.

mamdoh77t@hotmail.com