شعارات الحرية والمساواة والعدالة التي تتغنى بها فرنسا تواجه هذه الأيام تحديات كبيرة جداً في أرض الواقع، حيث تعيش هذه الشعارات تناقضات صارخة وتعاني من وهم كبير وواقع ما زال لم يعترف بأن فرنسا هي مجتمع متعدد الأعراق والديانات والأقليات، شاء من شاء وكره من كره.
فالتاريخ يقول إن رجالا من دول مختلفة، وخاصة مستعمرات فرنسا في شمال إفريقيا والقارة السمراء وغيرها، شاركوا في صفوف الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى وساهموا في تحرير المجتمع الفرنسي من النازية والفاشية أثناء الحرب العالمية الثانية. لكن فرنسا اليوم لا تعترف بهذا الجميل حيث إنها تعامل أبناء وأحفاد الرجال الذين حرروا وبنوا وشيدوا على أنهم أشخاص من الدرجة الثانية أو الثالثة وأنهم لا يمكنهم بأي حال من الأحوال أن يكونوا فرنسيين.
وزير الداخلية الفرنسي الحالي «نيكولا ساركوزي» والمرشح للرئاسيات القادمة في 2007 يتكلم عن قانون «الهجرة المختارة» وهو قانون يتناقض جملة وتفصيلا مع حقوق الإنسان ومع المبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية. هذا ليس غريبا على فرنسا حيث إنها كافأت الجزائريين الذين حاربوا في صفوفها إبان الحرب العالمية الثانية بقتل 45 ألفا من الأبرياء العزل في 8 مايو 1945 عندما خرجوا في مدن قالمة وخراطة وسطيف يتظاهرون ويطالبون فرنسا بالوفاء بوعدها أي باستقلال الجزائر.
أعمال الشغب في ضواحي باريس من قبل شباب المهاجرين العرب والأفارقة في خريف السنة الماضية تعبر عن فشل فرنسا في إدماج الجيل الثاني والثالث من أبناء رعايا مستعمراتها السابقة، والذين يعتبرون فرنسيين حيث أنهم وُلدوا في فرنسا وتربوا وترعرعوا فيها ويحملون الوثائق الرسمية الفرنسية.
لكن رغم الوعود والشعارات ورغم الادعاءات العديدة فشل المجتمع الفرنسي في إدماج الجاليات المختلفة التي اختارت فرنسا أرضا لتعيش فيها. ففرنسا التي تدعي الحرية والمساواة والأخوة غير جاهزة وغير مستعدة لقبول الآخر وفشلت في إدماجه رغم أنها طلبت منه أن يذوب في المجتمع الفرنسي والثقافة الفرنسية من خلال سياسة الاندماج التي فرضتها عليه.
فالمتتبع اليوم لما يجري في دولة بحجم فرنسا وتاريخها ووزنها على الساحة الدولية ـ الدولة التي عارضت الحرب على العراق والدولة التي تتغنى بالديمقراطية وبحقوق الإنسان وبالحرية ـ يلاحظ العنصرية والإقصاء والتهميش والفشل الذريع في عملية إدماج الآخر. فقانون «الهجرة المختارة» على سبيل المثال يعبر عن النية الحقيقية لدولة لا تريد إدماج الآخر والاعتراف بالجميل الذي قدمه أبناء مستعمراتها في إفريقيا وأرجاء أخرى من العالم في عملية تحريرها من النازية والفاشية وفي عملية البناء والتشييد.
وهم المساواة وواقع التمييز يعكس أطروحة منظر الإمبريالية الفرنسي «جول فيري» الذي قسم الشعوب والأمم إلى شعوب متحضرة ومتفوقة خُلقت لتقود شعوبا وأمما أخرى متخلفة وجاهلة وغير قادرة على إدارة وحكم نفسها بنفسها. قانون الهجرة المختارة وأعمال الشغب التي شهدتها فرنسا في خريف السنة الماضية مؤشرات تعكس أزمة ضمير وأزمة في العلاقات بين الشعوب والأمم والديانات والحضارات. فرغم التطور المادي والتكنولوجي الذي شهدته البشرية في العقود الأخيرة، ما زالت المنظومة الدولية تعاني من غياب التسامح والتفاهم والحوار واحترام الآخر بغض النظر عن عرقه ولونه ودينه ومعتقداته.
فبعد مرور ستة أشهر على أحداث الشغب في ضواحي باريس ما زالت فرنسا الرسمية لم تحدد معالم واضحة للتعامل مع مشكلة إدماج الجاليات الموجودة لديها، خاصة وأن الشباب الذين تظاهروا هم أبناء فرنسا وُلدوا فيها والبعض منهم يمثل الجيل الثاني والثالث لمهاجرين بنوا أمجاد فرنسا بعرق جبينهم وبتضحياتهم الجسام.
فهناك جدال كبير في الأوساط السياسية الفرنسية وأوساط صناع القرار، فمن جهة هناك اليمين الذي يطالب بالهجرة المختارة والاستبعاد المنظم للأشخاص الذين لا يتوفرون على وثائق شرعية، ومن جهة أخرى هناك اليسار الذي يرى أنه بإمكان فرنسا الاستفادة من الهجرة. وبين هذا وذاك يدرك الملاحظ أن فرنسا لا تؤمن بشعاراتها وببعض المبادئ التي تقوم عليها حيث إن هناك فجوة كبيرة جدا بين شعار المساواة والعدالة وواقع التمييز الذي تعاني منه الجاليات في فرنسا.
يعيش في فرنسا اليوم أكثر من خمسة ملايين مسلم وأكثر من أربعة ملايين من السود وأكثر من أربعة ملايين عربي. لكن هذا التنوع لا يعني الكثير لفرنسا الرسمية التي تنظر لهذه الجاليات والأقليات بعين الازدراء والاحتقار والتهميش والتمييز المنظم. فرئيس الحزب الوطني «جون ماري لوبان» يرى أن هذه الجاليات تشكل خطراً على فرنسا وهي سبب الأمراض الاجتماعية والبطالة والجرائم وانتشار المخدرات وحتى عندما سئل عن رأيه في المنتخب الفرنسي المشارك في نهائيات كأس العالم أجاب بأن هذا الفريق لا يمثل فرنسا ولا علاقة له بفرنسا لأن أغلبية لاعبيه من السود وأبناء المهاجرين.
لوبان يجهل تماما أن أبناء المهاجرين هم الذين صنعوا أمجاد الفريق الفرنسي لكرة القدم سنة 1998 عندما فازت فرنسا لأول مرة في تاريخها بكأس العالم ونفس التجربة كررها زيدان وزملاؤه السود (هنري، فييرا، ماكاليلي، تورام، مالودا، ساها، جالاس، أميدال، شيمبوندا، ويلتورد، جوفو، دوراسو وديارا) في ألمانيا مؤخرا. فواقع فرنسا يقول إن هذا البلد بلد ملون ومتعدد الأعراق والأقليات والثقافات والديانات، لكن فرنسا الجمهورية الرسمية لا تؤمن بهذا الواقع وما زالت تعيش على غطرستها وعنصريتها وعملية تهميشها للآخر.
على عكس العديد من الدول المتقدمة والتي تعيش فيها شعوب من مختلف الأجناس والأعراق والديانات (الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا، أستراليا، نيوزيلاندا، كندا، معظم دول أميركا اللاتينية...الخ) فشلت فرنسا منذ أكثر من خمسة عقود في عملية إدماج وصهر هذه الجاليات في الجمهورية الفرنسية.
وما زالت فرنسا الرسمية تتخبط في أيديولوجية الإقصاء والتهميش وعدم الاعتراف بالآخر مهما كانت الظروف والاعتبارات. فالوثائق الرسمية تعترف بفرنسية ملايين المهاجرين من عرب وأفارقة ومسلمين لكن فرنسا الرسمية تعتبر هذه الفئة غير فرنسية 100% وتبقى من الدرجة الثانية أو الثالثة. والأخطر في هذه القضية هو النخبة المثقفة الفرنسية والمفكرون الفرنسيون الذين يصرون على التفوق العرقي والثقافي الفرنسي، ما عدا قلة قليلة من اليسار تحاول بكل ما أوُتيت من قوة تصحيح هذه الظاهرة لكن دون جدوى.
فرنسا الجمهورية الرسمية يجب أن تعترف بالأمر الواقع ويجب أن تعيش على غرار الشعوب المتطورة والمتحضرة والتي تؤمن بالثقافات والديانات والأعراق الأخرى، يجب أن تعترف بالمهاجرين والأقليات ودورهم في تطور ورقي وحضارة المجتمع الفرنسي، وذلك بإدماجهم في مختلف مجالات الحياة كما دمجتهم في المنتخب الوطني لكرة القدم والذي رفع رايتها واسمها عاليا في ربوع العالم. الأمر يتطلب التوقف عن الخديعة وتطبيق مبادئ الجمهورية في أرض الواقع، لأنه إذا استمر الوضع على هذه الحال فإنه سيؤدي إلى المزيد من أعمال الشغب والمظاهرات والاحتجاجات.
أستاذ الإعلام، جامعة الشارقة
