من الحقائق التي تواجهنا في حياتنا وترعبنا حقيقة الموت، فهي حقيقة مهما بلغت درجة إيماننا لا يمكن لعقولنا وقلوبنا أن تحتملها، وأن يموت إنسان بقتله لنفسه وبيديه أو أن يفكر ويخطط لإنهاء حياته بقرار شخصي فهذا أمر أشد رعباً وفزعاً، وقد يكون السبب الأساسي وراء الارتعاب والفزع من قرار قتل النفس هو ما يحتمله هذا الفعل من تحدٍ لحقائق وجودية متعلقة بمفهوم الحياة والموت، مفهوم الإيمان والمعتقد وغيرها من المفاهيم التي نادراً ما نتطرق للسؤال حولها ومناقشتها لأنها تعتبر بالنسبة لنا مسلمات ما ورائية التناول.

في ظل المتغيرات الثقافية والاجتماعية التي تعصف ليس فقط بحياتنا نحن من يعيش في هذه البقعة من العالم ولكن بكل البشر من كل أصقاع الأرض، أصبحت حالة الفراغ النفسي والوجودي كبيرة، وأصبح الإنسان أكثر من أية مرحلة مضت يبحث عن معنى آخر لحياته ووجوده غير المعنى المتمثل في كونه ترساً في آلة العولمة الاقتصادية والتجارية. تلك الآلة التي لا يمثل الإنسان بالنسبة لها سوى سلعة يعمل على الاستفادة منها إلى أقصى درجة تصل إلى حد المتاجرة به.

إن حالة العولمة بمتغيراتها المتسارعة تكاد تكون واحدة في كل العالم، وإن تفاوتت نوعاً ما من منطقة لأخرى، وهي حالة يتم فيها ترحيل ليس فقط رؤوس الأموال والموارد ولكن أيضا القلق والأرق العالمي، المشاكل الاجتماعية والأخلاقية، والفراغ الروحي والوجداني على حد سواء، فهي حالة ضد إنسانية الإنسان.

عبر الزمن كانت هناك أهداف من وراء تواصل البشر مع بعضهم البعض، وكانت هذه الأهداف متعارفاً ومتفقاً عليها اجتماعياً وثقافياً وحضارياً، فهي إما أن تكون أهدافاً اقتصادية أو ثقافية أو تجارية أو إنسانية لهدف الارتباط والزواج. في زمننا الحالي، زمن العولمة وثورة التكنولوجيا التي سهلت التواصل الإنساني بدرجة كبيرة استحدثت أنماط جديدة من التواصل الإنساني محكومة بأهداف جديدة مرفوضة اجتماعيا وثقافيا. أ

هم أنماط التواصل الحديثة المنتشرة في عالمنا اليوم هو التواصل للمشاركة في الانتحار أو الاستمتاع بشكل من أشكال الجنس الافتراضي الذي أصبحت شاشة الشبكة العالمية السوق الأولى للمتاجرة به والترويج له. ما يعنيني في هذا السياق، وامتداداً لما ذكرته آنفا، هو جماعات الانتحار التي تتواصل عبر الشبكة العالمية والمسؤولة اليوم عن إنهاء حياة مجموعة من البشر عبر العالم غالبيتهم من الشباب، هذه المجموعات التي أصبحت اليوم منتشرة بشكل مروع ويشترك فيها مئات من البشر من كل العالم، يتعاونون سوياً لتسهيل إنهاء حياة كل منهم وغيرهم ممن يطلب المساعدة لقتل نفسه.

لقد أصبحت هذه الجماعات محل الدراسة والمناقشة في مختلف دول العالم، ولقد ناقشت محطة الإذاعة البريطانية البي بي سي خلال السنوات الماضية في برامج وتحقيقات مختلفة هذه الظاهرة السلوكية الخطيرة التي أصبحت تقلق كثيراً من الأسر. واستعرضت ال«بي بي سي» في 16/11/2003 قصص وحكايا مجموعة من الحالات التي وجدت من يشجعها ويدفعها ويعلمها كيفية الانتحار عن طريق الشبكة العالمية،

وتطرقت ال«بي بي سي» لهذه الإشكالية بعد موت المراهق تيم بايبر منتحراً في منزله، وبعد إصرار أبيه مارتن بايبر، الذي أكتشف أن ابنه تلقى التشجيع والتعليمات للقضاء على حياته من موقع على الشبكة العالمية، على مقاضاة موقع الانترنت الذي أخذ حياة ابنه. ويقول تحقيق ال«بي بي سي» إن مدة قصيرة من البحث على الانترنت تكفي للعثور على جماعات الانتحار التي أصبحت اليوم منتشرة،

فهناك قائمة من قوائم الانتحار، كما يقول التحقيق، تحدثت عن شخص أسمه سلاد وحكت عن محاولته «اللحاق بالقافلة» وهو مصطلح يستخدم بين جماعات الانتحار الالكترونية للتعبير عن الانتحار، وكان سلاد هذا يبحث عن طريقة محددة للانتحار، وبالبحث تم اكتشاف أن سلاد هذا فتاة أميركية في العشرينات من عمرها نصحها أحد مستخدمي الشبكة العالمية، ردا على طلبها، بطريقة لقتل نفسها لم تفلح حيث تم إسعافها في اللحظات الأخيرة.

بحث آخر على الانترنت أظهر اسم شخص يسمي نفسه «بوبوروشي» وقد كتب مقالات مطولة عن أفضل طرق الانتحار، بالإضافة إلى إجاباته على رسائل وصلته من مختلف بقاع العالم تسأله في أمور الانتحار، ولقد كتب أحد الشباب رسالة لبوبوروشي يقول فيها «إنني أريد المساعدة لقتل نفسي، أنا أعرف أنني أحتاج ذلك، لكن الشجاعة خانتني»، وقد كانت إجابة بوبوروشي، الخبير في الانتحار كما يطلق على نفسه، سريعة بتقديم وصفة مضمونة للانتحار، ويضيف التحقيق أن أعداد الشباب العازلين أنفسهم عن العالم والمتوحدين مع الانترنت في حالة تزايد في كل دول العالم، ونحن طبعا لسنا باستثناء من ذلك.

خبر آخر نشر بتاريخ 09/02/2006 في المحطة نفسها، ذكر أن عدد اليابانيين الذين يقتلون أنفسهم عن طريق اتفاقيات الانتحار التي تعقد عبر الانترنت في حالة تزايد حاد، وأن تقارير الشرطة اليابانية تؤكد أن 91 شخصاً ماتوا عن طريق هذه الاتفاقيات في 2005، بينما عدد 55 شخصا ماتوا بالطريقة نفسها في سنة2004، و34 شخصا في سنة 2003، وبمتابعة ومراقبة شبكة الانترنت اليابانية رصدت الشرطة اليابانية 34 جماعة انتحارية الكترونية تنظم وتسهل عمليات الانتحار الجماعي، هذا بالإضافة إلى أنه تم العثور على دليل إرشادي يحدد أفضل الأماكن والطرق للانتحار.

يقول البرفسور كولين بريتشارد، خبير الانتحار من جامعة بورتيموث، إن هناك خطورة في انتشار مثل هذه المواقع الالكترونية، وأن هؤلاء المشجعين على الانتحار مجهولو الهوية، ما هم إلا مرضى سيكوباثيون، وادعاؤهم للخبرة في هذا المجال هذا ما هو إلا شكل من الاغتصاب الأخلاقي، لكن هذه الفئات موجودة وفاعلة ولها فلسفتها القائمة على مبدأ أن الانتحار حق من الحقوق المدنية التي يجب أن يتمتع بها كل فرد متى شاء أن يختار ما يسمونه «المخرج الأخير» (فاينل إكزت)، وما يحافظ على استمرارية هذه الجماعات ووجودها الجاذبية التي تتمتع بها شبكة الانترنت بالإضافة إلى ميزة القدرة على إخفاء الهوية.

هناك شبكات كثيرة ومختلفة عن الانتحار، وأبناؤنا ليسوا غريبين أو بعيدين عن هذا العالم، فجهاز الحاسوب والغوص في الشبكة العالمية أصبح من المهام اليومية لكل واحد منهم، والانضمام لهذه المجموعات والتأثر بها من أول اخفاقة حياتية يمكن أن يعيشها أحد هؤلاء الأبناء مسألة واردة ومحتملة، فلا أحد معصوم من أي منتج من منتجات العولمة ، ولا نحن ببعيدين عن مثل هذه الإشكاليات، فنحن نعيش في حالة من الارتهان المتبادل مع الآخر.

جامعة الإمارات

albaharm@yahoo.com