كعادتها بعد كل عملية نوعية للمقاومة، بادرت اسرائيل إلى منطق التصعيد والوعيد فأعلنت حالة الاستنفار واستدعت الاحتياطي وبدأت مهاجمة المدنيين وتدمير المزارع والجسور ومحطات الكهرباء، دون ان تمنح نفسها فرصة لمراجعة الوضع بهدوء ومعالجته بطريقة توفر لها الامن الحقيقي وترسي أسس سلام دائم وعادل في المنطقة، يقوم على وقف العدوان وإطلاق الأسرى وإعادة الحقوق والامتثال لقرارات الشرعية الدولية.

وفي ظل اختلال موازين القوى في العالم، وبدلا من التدخل العاجل لاحتواء التصعيد عبر الوسائل الدبلوماسية المتوازنة التي تحمِّل كل طرف مسؤوليته وتوقفه عند حده، اتجه رد الفعل الاميركي الى توسيع دائرة التوتر بتوجيه الاتهامات لسوريا وايران وتسليط الضوء على طرف واحد من القضية وإهمال الطرف الآخر.

حيث اعتبرت واشنطن أسر الجنديين الاسرائيليين على يد مقاتلي حزب الله تهديدا لاستقرار المنطقة وجعلت الحفاظ على حياتهما وتأمين اطلاقهما همها الأول، بينما تتجاهل باستمرار اعتقال آلاف الأسرى الفلسطينيين واللبنانيين في سجون تل أبيب، وتتغاضى عن الاعتداءات التي يرتكبها الجيش الاسرائيلي بشكل يومي ضد المدنيين من النساء والاطفال الفلسطينيين وبناهم التحتية في غزة والضفة الغربية.

عملية «الوعد الصادق» التي نفذها مقاتلو حزب الله امس واسفرت عن مقتل سبعة جنود إسرائيليين وأسر اثنين، وقبلها عملية «الوهم المتبدد» الفلسطينية - أسقطتا «منطق القوة» وشكلتا ضربة قاسية لإسرائيل وكشفتا عن ثغرات خطيرة في مؤسستها العسكرية جعلت منها هدفا سهلا لرجال المقاومة.

وزادتا من حرج حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت الذي دخل هجومه العسكري الواسع على غزة أسبوعه الثالث دون تحقيق اي تقدم نحو استعادة جنديه الأسير هنالك، وذهبتا أبعد من ذلك - في رأي بعض المراقبين - لتثير الشكوك حول أسطورة «الجيش الذي لا يقهر».

فمتى تستوعب تل أبيب ومن ورائها واشنطن الدروس والعبر، وتسعيان لتعامل جدي مع صراع الشرق الأوسط يعيد الحق الى نصابه ويهدئ الوضع المتفجر في المنطقة، بدل الإصرار على توسيع رقعة التوتر والتمادي في الحلول العسكرية التي اثبتت فشلها في السيطرة على الشعوب، وجلبت للعالم من المآسي والدمار أكثر مما وفرت له من أسباب الرخاء والتقدم؟