من حق الصحافيين الذين لا يعرفون سوى الولاء لحق القارئ في المعرفة أن يفرحوا قليلا، في زمن عز فيه الفرح، بعد أن انتهت زوبعة أعداء حرية الصحافة، وكأنها زوبعة في فنجان، على طريقة المرحوم أنور السادات، فلولا تدخل رئاسي ومكالمة هاتفية من الرئيس المصري حسنى مبارك لرئيس البرلمان الدكتور فتحي سرور، لكان سيف الحبس مسلطا على كل صاحب قلم، يقيد قلمه عن التصدي لجرائم الفساد، ويجعل فضح الفاسدين مجرد «طعن في الذمة المالية»,
والشائع أن المفسدين في الغالب الأعم بلا ذمة أصلاً، وإلا كيف يمكن أن نفهم ألغازا تحيط بنا من كل جانب، أبرزها أن شخصاً واحداً من عامة الناس قفزت ثروته في سنوات قليلة ودون سبب معلوم أو جهد واضح للعيان أو عمل بارز من أعمال التجارة والإنتاج من بضعة آلاف من الجنيهات إلى أكثر من أربعين مليار جنيه، وهو يحتكر الاتجار في سلعة جماهيرية ويتحكم في سعرها، فضلا عن التلاعب في البورصة، مثلما حدث يوم الثلاثاء الشهير بالأسود.
فرح الصحافيين بسقوط مادة عقوبة الحبس للخوض في الذمم المالية، جاء ثمرة استجابة الرئيس مبارك لندائهم، وتذكير جلال عارف نقيب الصحافيين للرئاسة بوعده منذ عامين في اتصال هاتفي معه، بأنه سيلغى عقوبة الحبس في قضايا النشر، وهو الوعد الذي كاد أن يتبخر نهائيا، قبل ساعات من إقرار القانون.
فمن جهة كانت دفة المناقشات تحت قبة البرلمان تشير إلى أن نواب الحزب الوطني الحاكم يؤيدون عقوبة حبس الصحافيين، بل إن بعضهم تعمد التطاول والإساءة، بطريقة لم تعرفها المضابط النيابية في تاريخ مصر، ولدرجة أن احدهم ويدعى كرم الحفيان قال لا فض فوه «طظ في الصحافيين» واتهم آخر يدعى علي عطوة الصحافيين بالابتزاز، ولأنه وجه غير مألوف حديثه تحت القبة ونادرا ما يخرق عادة الصمت سأله رئيس البرلمان: أنت صحافي؟ ورد: لا يا أفندم أنا نائب بس كنت في المصيف! «حسب ما نقلته صحيفة الوفد عن وقائع الجلسة».
زاد طين زوبعة أعداء الصحافة بلة أن أسماء مشهودا لها بالنزاهة والحنكة القانونية، طرقت سبيل التبرير لمؤيدي عقوبة الحبس، وهى مادة دخيلة على القانون، ومخالفة للدستور، وللعرف القانوني الذي يبيح حق انتقاد أي مسؤول حفاظا على الصالح العام ويترك عبء التحقق والبحث عن أدلة على أجهزة القضاء والنيابة والرقابة العامة، حتى لا يغل القلم ويد حامله عن التصدي للفاسدين، الذين يزحمون ساحة الوطن ويهدرون كل مقدراته ويسرقون «اللقمة الشريفة» من أفواه الكادحين بناة نهضة الوطن.
ولم يظهر حمرة الخجل على وجوه النافخين في بوق حبس الصحافيين، والمتطاولين والمسيئين لأصحاب القلم، بل بمجرد أن ابلغهم رئيس البرلمان باتصال الرئيس مبارك، انتفضوا مهللين لحرية الصحافة، وانسالت كلمات المديح على ألسنة «الشتامين» وانقلب نائب «طظ» إلى عارف بفضل حرية الصحافة ومدافع عنها.
هكذا حال لا يبعث على الثقة والاطمئنان، ويثير الذعر مما هو آت، ويضع كل مواطن شريف يهمه مستقبل الوطن أمام سؤال:لماذا يقف البرلمان وهو السلطة الشعبية للتشريع والرقابة ضد الحريات، وينتصر لها الرئيس؟ هل سننتظر كل مرة تدخل الرئيس لترجيح كفة الحق؟ مع التذكير بهذا التدخل المحمود؟ وفى هذه الحالة، كيف يمكن أن يستعيد البرلمان مصداقيته ودوره الغائب؟
الحاصل، أن المشهد السياسي في مصر خلال العقود الأخيرة، شهد ظهور أنماط غير مألوفة تحت قبة البرلمان، منها «نواب الصمت» الذين لا يجيدون سوى التصفيق لزعيم الأغلبية ولم يفتحوا أفواههم بكلمة خشية الوقوع في خطأ يغضب مسؤولا،
ونواب «الكيف» أولئك الذين نجحوا بغسل أموال المخدرات، ونواب «القروض» الذين نهبوا خزائن البنوك، و«نواب الهروب من التجنيد»: الذين زوروا شهادات أداء الخدمة العسكرية أو الإعفاء منها وهم لم يؤدوا واجب الوطن، «ونواب مزدوجي الجنسية» الذين يتشتت ولاؤهم بين مصر والجنسية الأجنبية التي حصلوا عليها. وانضم إليهم مؤخرا «نواب سميحة» الذين ارتكبوا جرما لا يقع فيه سوى مراهقين صغار!
صحيح أن البرلمان الحالي يتحلى بوجود فرسان مدافعين عن الحق، لكن حرص الحزب الحاكم على الأغلبية يجعله يغض الطرف عن التدقيق في معايير نوابه، وهو ما يؤدي في المحصلة النهائية إلى غياب الدور المستقل للبرلمان، ويجعل قراره معلقا باتصال هاتفي من الرئيس حتى ينتصر لحرية الصحافة.