أحد رؤساء الحكومة اليابانية صرح ذات مرة بأنه كان يبدأ يومه بقراءة تقرير صحافي يرصد ردود فعل الكتاب، على سياسات حكومته في وسائل الإعلام، ثم يخرج إلى شرفة مكتبه المطلة على ساحة مبنى الحكومة لقراءة ما يحمله المتظاهرون المعارضون من لافتات، وليسمع ما يرددونه من مطالب واعتراضات ليضع ما تنشره وسائل الإعلام وما يطالب به الرأي العام ليضعه في أجندة عمل الحكومة.
إن الصلة تبدو وثيقة للغاية بين الرأي العام ووسائل الإعلام من جهة وبين الرأي العام ومراكز صنع القرار من جهة أخرى، وهناك العديد من الأمثلة في الدول المتقدمة في الشرق أو في الغرب التي ضغط فيها الرأي العام لاتخاذ قرار أو للتراجع عن قرار احتراما لرأى المجتمع، وآخرها ما حدث في فرنسا بسحب الحكومة لقانون العمل رغم اقتناعها الشديد به بسبب إصرار الرأي العام على رفضه واحتراما من الحكومة لحق الناس بالمشاركة في صنع القرار.
إن المجتمع الحي المتحرك هو الذي تتفاعل وتتكامل فيه قوة الرأي العام ومصداقية الإعلام واستجابة السياسات لرأى الناس عموما، ولرأى القطاع الذي ستطبق عليه هذه القوانين وتلك السياسات التي تعتمد في رسمها على نتائج القياس العلمي والرصد الموضوعي الدقيق لاتجاهات القطاع العريض للرأي العام.
من هنا تلعب استطلاعات الرأي دورا أساسيا في توفير المعلومات والحقائق أمام المحاور الثلاثة أي الرأي العام ووسائل الإعلام ومركز صنع القرار، غير أن معظم اٍستطلاعات الرأي التي تجريها محطات التلفزيون خصوصا عبر الإنترنت أو عبر الهاتف بتكلفة على المتصل والمعتمدة في الغالب على العينات العشوائية وغير المستهدفة أو المطلوب استطلاع رأيها تحديدا في قضية من القضايا التي تفتقر إلى الدقة في الغالب،
كما أن بعض استطلاعات الرأي الممولة من جهات خارجية أو داخلية سياسية أو مالية للترويج لشخص أو لترسيخ فكرة أو لترويج سلعة غالبا ما تفتقر إلى المصداقية لغياب معايير القياس العلمي وشروط الحيدة والثقة.
والمطلوب وبإلحاح هو المبادرة بتأسيس مركز عربي قوي لبحوث الرأي العام سواء في إطار مجلس التعاون الخليجي أو في إطار جامعة الدول العربية أو بمبادرة من الشخصيات الواعية بضرورته والقادرة على تبعات مثل هذه المبادرة،
ويقترح أن يكون لهذا المركز مجلس أمناء من شخصيات عربية عامة معروفة بعلمها وموضوعيتها واستقلاليتها ونزاهتها حتى تكون على مسافة متساوية مع الأجهزة السياسية ومع الأجهزة الإعلامية ومع القطاعات الاقتصادية حتى تكتسب المصداقية وحتى يكون لاستطلاعات المركز الجدارة بالثقة في نظر الرأي العام العربي.
والهدف هو توفير الشروط الموضوعية ليكون للتيار العام في المجتمع رأي واضح وفعال وأن يكون لصنع القرار كل ضمانات السلامة وكل ضرورات العلاقة مع اتجاهات الرأي العام، وبذلك نحفظ للحرية وجودها ونثبت للمسؤولية موقعها،
ولأن أحد أبرز معايير قياس الرأي العام تقدم وتحضر الدول في عالم اليوم هو قوة الرأي العام ومصداقية وسائل الإعلام فنحن بحاجة سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو القومي لتوفير كل ما من شأنه النهوض بالعمل الإعلامي للمساهمة في تشكيل الرأي العام وفي الوقت نفسه في التعبير عنه.وهذا ما يوفر للحكومة - أي حكومة- ولسياساتها الثقة والمصداقية والمشروعية والتأثير.
وحتى يكون هناك في الواقع رأي عام فعال في أي مجتمع فلا بد له من مكونات أساسية.. فلا رأي عام بدون شعب متفاعل.. ولا رأي عام بدون قضية هامة، ولا رأي عام بلا معلومات لديه للاختيار.. ولا رأي عام بدون مرصد لرصده، ولا رأي عام بدون إعلام عنه..وأخيرا لا رأى عام دون حكومة تحترم إرادته.
amdoh77t@hotmail.com